ثم خص النبي صلى الله عليه وسلم من أمته وسائر الأنبياء والرسل بزيادة فضيلة ينالها في إدامة الصلاة وصرح له صلاة الليل، فقال: {وَمِنَ الْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ} [الإسراء: 79] أي: زيادة لك من دون سائر الخلق هذه الفضيلة، وهي قوله: {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} [الإسراء: 79] والمحمود هو الله تعالى فيشير المقام المحمود إلى قيامة بالله لا بنفسه، ولهذا عبر عن المقام المحمود بالشفاعة؛ لأن الله تعالى قال: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] أي: قائماً به ولما لم يكن دخول هذا المقام بكسب العبد كسائر المقامان وهو يتعلق بجذبة الحق فعلم النبي صلى الله عليه وسلم طريق تحصيل الجذبة على مقتضى قوله: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] .
بقوله: {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ} [الإسراء: 80] يشير إلى السير في الله بالله {وَأَخْرِجْنِي} [الإسراء: 80] من حولي وقوتي وأنانيتي {مُخْرَجَ صِدْقٍ} [الإسراء: 80] بأن يخرجني منك بك {وَاجْعَلْ لِّي مِن لَّدُنْكَ} [الإسراء: 80] أي: منك لا من غيرك {سُلْطَاناً نَّصِيراً} [الإسراء: 80] بتجلي صفات جمالك، وفي الآية دليل على أن لكل ذي مقام لا يصل إلى مقام إلا بسعي ملائم لذلك، كما قال تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا} [الإسراء: 19] أي: سعياً يلائم وصول درجات الجنان.
وروي أن"رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم:"أو غير ذلك"قال الرجل:"بل مرافقتك في الجنة"، فقال: النبي صلى الله عليه وسلم:"فأعني بكثرة السجود"."
ثم أخبر عن زهوق صفات البشرية عند تجلي صفات الربوبية بقوله تعالى: {وَقُلْ جَآءَ الْحَقُّ} [الإسراء: 81] يشير إلى كل ما يجيء من الحق تعالى من الواردات والطوالع والشواهد والأنوار وتجلي صفات الجمال وتجلي صفات الجلال.