وعندما عجز المشركون عن استدارج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هذه الفتنة حاولوا استفزازه من الأرض أي مكة ولكن الله أوحى إليه أن يخرج هو مهاجراً ، لما سبق في علمه من عدم إهلاك قريش بالإبادة. ولو أخرجوا الرسول صلى الله عليه وسلم عنوة وقسراً لحل بهم الهلاك {وإذاً لا يلبثون خلافك إلا قليلاً} فهذه هي سنة الله النافذة: {سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ، ولا تجد لسنتنا تحويلا} .
ولقد جعل الله هذه سنة جارية لا تتحول ، لأن إخراج الرسل كبيرة تستحق التأديب الحاسم. وهذا الكون تصرفه سنن مطردة ، لا تتحول أمام اعتبار فردي. وليست المصادفات العابرة هي السائدة في هذا الكون ، إنما هي السنن المطردة الثابتة. فلما لم يرد الله أن يأخذ قريشاً بعذاب الإبادة كما أخذ المكذبين من قبل ، لحكمة علوية ، لم يرسل الرسول بالخوارق ، ولم يقدر أن يخرجوه عنوة ، بل أوحى إليه بالهجرة. ومضت سنة الله في طريقها لا تتحول..
بعد ذلك يوجه الله رسوله صلى الله عليه وسلم إلى الاتصال به ، واستمداد العون منه ، والمضي في طريقه ، يعلن انتصار الحق وزهوق الباطل:
أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل ، وقرآن الفجر ، إن قرآن الفجر كان مشهودا ؛ ومن الليل فتهجد به نافلة لك ، عسى أن يبعثك ربك مقاماً محمودا ، وقل ربِّ أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيرا.
وقل: جاء الحق وزهق الباطل ، إن الباطل كان زهوقا. وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا..