(1) فرقناه: قد قرئت بالتخفيف بمعنى فصلناه وبيناه ونوّهنا محتوياته وبالتشديد بمعنى جزّأناه فصولا بعد فصول.
(2) على مكث: قيل إنها بمعنى على تؤدة وتثبت. وقيل إنها بمعنى على مرّ الأيام.
لم يرو المفسرون رواية ما فيما اطلعنا عليه في صدد نزول هذه الآيات، والمتبادر أنها جاءت بعد تلك الآيات الاستطرادية إلى التذكير بموسى عليه السلام ورسالته إلى فرعون وإغراق هذا وتمكين بني إسرائيل في الأرض بعده لتكون رابطة بين حلقات السياق وخاتمة لما حكاه من مواقف الحجاج والجدل بين النبي صلى الله عليه وسلم والكفار حيث يبدو من هذا اتصالها بالسياق، وقد احتوت من جهة توكيدا
بأسلوب قوي حاسم صحة الوحي القرآني الذي ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم لتوطيد الحق وإعلائه، ومن جهة أخرى تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه إنما أرسل للناس بشيرا ونذيرا، وأنزل عليه القرآن فصولا فصولا ليتلوها على الناس على مهل حتى يستوعبوها ويتدبروا ما فيها من مبادئ صدق وحق وحجج بليغة وأمرا له من جهة ثالثة بعدم الاهتمام لمواقف الكفار وجحودهم وبإعلان ذلك لهم وبتحديهم بذكر موقف الذين أوتوا العلم من قبل حيث يسارعون إلى تصديقه والإيمان به حينما يتلى عليهم ويعلنون يقينهم بوعد الله وصدقه ويخرون للأذقان سجدا وبكيا مما استولى عليهم من الخشوع وقوة اليقين.
تعليق على الآية وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ والآيات الأربع التالية لها
وأسلوب الآيات كما هو ظاهر قوي أخاذ في كل المقاصد التي أريد تقريرها فيها وقد احتوت تنويها جديدا بخطورة القرآن. وبيانا جديدا لمهمة النبي صلى الله عليه وسلم وكونها الدعوة والتبليغ دون إبرام ولا إكراه ولا مَسْئُولية عن مواقف الناس.
وأسلوب تحدي الكفار فيها بخاصة قوي نافذ حيث تأمر النبي بأن لا يهتم لهم وأن يقول لهم إنكم لن يكون لعدم إيمانكم أي نتيجة وحجة ما دام أهل العلم يؤمنون ويخشعون ويتأثرون هذا التأثر القوي الذي تشاهدونه. ولقد كان لأهل الكتاب اعتبار وثقة في نفوس أهل مكة وزعمائهم الذين يوجه إليهم التحدي حيث يكون هذا التحدي محكما مستحكما.