102 - {قالَ} موسى لفرعون، والله {لَقَدْ عَلِمْتَ} يا فرعون {ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ} ؛ أي: ما أنزل علي هذه الآيات التسع التي أريتكها، وأوجدها {إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} ومالكهما حالة كونها {بَصائِرَ} ؛ أي: دلالات يستدل بها على قدرة الله تعالى، ووحدانيته، وحجة لي على حقيقة ما أدعوك إليه، وشاهدة لي على صدقي وصحة قولي: إني رسول الله، بعثني بها رب السماوات والأرض، لأنه هو الذي يقدر عليها وعلى أمثالها، وهي بصائر لمن استبصر بها، وهدًى لمن اهتدى بها، يعرف من رآها أنّ من جاء بها فهو محق، وأنّها من عند الله، لا من عند غيره، إذ كانت معجزةً لا يقدر عليها إلا رب السماوات والأرض، وقرأ الجمهور {لَقَدْ عَلِمْتَ} بفتح التاء على خطاب موسى لفرعون، وتبكيته في قوله عنه: إنه مسحور؛ أي: لقد علمت أن ما جئت به ليس من باب السحر، ولا أني خدعت في عقلي، بل علمت أنه ما أنزلها إلّا الله سبحانه، وما أحسن ما جاء به من إسناد إنزالها إلى لفظ رب السماوات والأرض، إذ هو لما سأله فرعون في أول محاورته، فقال له: {وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (23) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} ينبهه على نقصه، وإنه لا تصرف له في الوجود، وقرأ علي بن أبي طالب، وزيد بن علي، والكسائي {علمت} بضم التاء، أخبر موسى عن نفسه أنه ليس بمسحور كما وصفه فرعون، بل هو يعلم أنّ ما أنزل هؤلاء الآيات إلا الله، قال أبو عبيد: المأخوذ به عندنا قراءة الجمهور، أعني فتح التاء، وهو الأصح للمعنى؛ لأن موسى لا يقول: علمت أنا، وهو الداعي، وروي نحو هذا عن الزجاج.
{وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} ؛ أي: مصروفًا عن الخير، مطبوعًا على الشر، من قولهم: ما ثبرك عن هذا؛ أي: ما صرفك أو هالكًا فإن الثبور الهلاك، وقرأ أبي {وإن إخالك يا فرعون لمثبورا} وهي إن المخففة، واللام الفارقة