ألم تَرَ الثعبان ، كيف هو سريع في مِشْيته ، خفيف في حركته ، فالذي خلق قادر أن يُمشِيَ من ضَلَّ في القيامة على بطنه ، لأن المسألة إرادة مريد لِيُوقع بهم غاية الذِّلَّة والهوان ، ويا ليتهم تنتهي بهم المهانة والمذلّة عند هذا الحدِّ ، بل: وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً.. { [الإسراء: 97]
هذا استطراق لوسائل الإهانة ، ففضلاً عن مَشْيهم على الوجوه فهم عُمْي لا يروْنَ شيئاً ، ولا يهتدون ، وهم صُمٌّ لا يسمعون نداءً ، وهم بُكْمٌ لا يقدرون على الكلام ، ولك أنْ تتصوَّر إنساناً جمعت عليه كل هذه الوسائل ليس في يوم عادي ، بل في يوم البعث والنشور ، فإذا به يُفَاجأ بهْول البعث ، وقد سُدَّت عليه جميع منافذ الإدراك ، فهو في قلب هذا الهَوْل والضجيج ، ولكنه حائر لا يدري شيئاً ، ولا يدرك ما يحدث من حوله.
ولنا هنا لفتة على هذه الآية ، فقد ورد في القرآن كثيراً: صُمٌّ بُكْم بهذا الترتيب إلا في هذه الآية جاءت هكذا: وَبُكْماً وَصُمّاً ومعلوم أن الصَّمَم يسبق البَكَم ؛ لأن الإنسان يحكي ما سمعه ، فإذا لم يسمع شيئاً لا يستطيع الكلام ، واللغة بنت السماع ، وهي ظاهرة اجتماعية ليستْ جنساً وليست دَمَاً.
وسبق أنْ قُلْنا: إن الولد الإنجليزي إذا تربَّى في بيئة عربية يتكلم بالعربية والعكس ؛ لأن اللغة ليست جنساً ، بل ظاهرة اجتماعية تقوم على السماع ، فما تسمعه الأذن يحكيه اللسان. حتى العربي نفسه الذي يعيش في بيئة عربية ، إلا أنه لم يسمع هذه الألفاظ الغريبة المتقعِّرة لا يستطيع محاكاتها ولا يعرف معناها.
لكن في هذه الآية جاء البكَم أولاً ، لماذا؟ لأنه ساعة يُفاجأ بهوْلِ البعث والحشر كان المفروض أن يسأل أولاً عَمَّا يحدث ، ثم يسمع بعد ذلك إجابة على ما هو فيه ، لكنه فُوجئ بالبعث وأهواله ، ولم يستطع حتى الاستفسار عَمَّا حوله ، وهكذا سبق البكَم الصَّمَم في هذا الموقف.