لذلك ، لا يمكن أبداً لحاكم أن يحكم إلا إذا حكم نفسه أولاً ، بعدها تنقاد له رعيته ويكونون طوعاً لأمره دون جهد منه أو تعب.
ولقد رأينا في واقعنا بعض الحكام الذين فهموا الأُسْوة على حقيقتها ، فترى الواحد من رعيته يركب أفخم السيارات ، ويسكن أعظم القصور ، حتى إن معظم أدواتها تكون من الذهب ، في حين ترى هذا الحاكم يعيش عيشة متواضعة وربما يعيش في قصر ورثه عن أبيه أو جَدَِّه ، وكأنه يُغلِظ على نفسه ويبغي الرفاهية لرعايته.
وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أتى بمنهج ، وهو في الوقت نفسه أُسْوة سلوك وقُدْوة ، فنراه صلى الله عليه وسلم يحثّ الغنيّ على الصدقة للفقير ، ثم يحرم أهل بيته من هذه الصدقة فلا يقبلها لهم ، وإنْ توارث الناس فيما يتركونه من أموال فإن ما تركه الرسول لا يُوَرَّثُ لأهله من بعده ، بل هو صدقة لفقراء المسلمين ، وهكذا يحرم رسول الله أهل بيته مما أعطاه للآخرين لتكون القدوة صحيحة ، ولا يجد ضعاف النفوس مأخذاً عليه صلى الله عليه وسلم.
إذن: فليس المراد من الحكم أن يتميز الحاكم عن المحكوم ، أو يفضل بعض الرعية على بعض ، فإذا ما أحسَّ الناس بالمساواة خضعوا للحاكم ، وأذعنوا له ، وأطاعوا أمره ؛ لأنه لا يعمل لمصلحته الشخصية بل لمصلحة رعيته ، بدليل أنه أقلُّ منهم في كُلِّ مستويات الحياة.
فالرسول إنْ جاء مَلَكاً فإن الأُسْوة لا تتمّ به ، فإنْ أمرنا بشيء ودعانا إلى أن نفعل مثله فسوف نحتجّ عليه: كيف وأنت مَلَكٌ لا شهوةَ لك ، لا تأكل ولا تشرب ولا تتناكح ولا تتناسل ، إن هذه الأوامر تناسبك أنت ، أما نحن فلا نقدر عليها.
ومن هنا لا بُدَّ أن يكون الرسول بشراً فإنْ حمل نفسه على منهج فلا عُذْر لأحد في التخلُّف عنه ؛ لأنه يطبق ما جاء به ويدعوكم إلى الاقتداء بسلوكه.