وهذا البلاغ الحق الذي لا معقب له من بين يديه ولا من خلفه، هو الذي اصطلحنا عليه فيما بعد وسمَّيناه (إعجاز القرآن) ، وأين مكمن الإعجاز؟
"إن الإعجاز كائن في رصف القرآن وبيانه ونظمه"، ويرى شاكر رأيًا لا بد من إثباته، فيما احتواه القرآن الكريم من حقائق في الخلق أو في الكون.
يقول:"إن ما في القرآن من مكنون الغيب، ومن دقائق التشريع ومن عجائب آيات الله في خلقه، كل ذلك بمعزل عن هذا التحدي المفضي إلى الإعجاز، وإن كان ما فيه من ذلك كله يعد دليلاً على أنه من عند الله تعالى، ولكنه لا يدل على أن نظمه وبيانه مباينٌ لنظم كلام البشر وبيانهم، وأنه بهذه المباينة كلام رب العالمين، لا كلام بشر مثلهم".
هل نستطيع الآن أن نقول بأن مصطلح"الإعجاز العلمي"أو العددي أو التشريعي أو غير ذلك مما يتابع هذا القول - ليس من"إعجاز القرآن"، بل هي أدلة على أن القرآن الكريم هو من عند الله، مما يستدعي إعادة بناء المصطلح؛ ليكون دالاًّ على موضوعه؟
الرأي الآخر:
منذ بداية النهضة الحديثة أشفق كثيرون من العلماء والمفكرين من ربط آيات القرآن ببعض حقائق العلم الحديث؛ خشيةً من التطورات التي تطرأ على النظريات العلمية، فينعكس ما بها من أخطاء أو نُبوءات لم تحقق على صدق الخبر القرآني.
ولكن الذين تحمسوا لتلك العلاقة الرابطة، فرقوا بين حقائق العلم التي ثبتت وتحققت بالتجربة، وبين الفروض التي لا تَعدُو أن تكون رأيًا مفسرًا لم يثبت بعد.
ومن الذين يرون في"الإعجاز"مدلولاً أوسع الإمام ابن تيمية (ت 728 هـ) ، فهو يقول:"وكون القرآن معجزةً، ليس من جهة بلاغته وفصاحته فقط، أو نظمه وأسلوبه فقط، ولا من جهة إخباره بالغيب فقط، بل هو آية بيِّنة معجزة من وجوه متعددة: من جهة اللفظ، ومن جهة النظم، ومن جهة البلاغة في دلالة اللفظ على المعنى، من جهة معانيه التي أمر بها، ومعانيه التي أخبر بها عن الله تعالى، وأسمائه وصفاته وملائكته وغير ذلك، ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الغيب الماضي، وعن الغيب المستقبل، وكل ما ذكره الناس من الوجوه في إعجاز القرآن، هو حجة على إعجازه، ولا يناقض ذلك، بل كل قوم تنبهوا لما تنبهوا له".