"فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ" (الطور: 34)
ثانيًا - أنه ليس من المعقول أن يثبت الله سبحانه عجز الإنس والجن عن الإتيان بمثل هذا القرآن على سبيل القطع والجزم، ثم يطالبهم أن يأتوا بهذا المثل؛ ولهذا قال الزرقاني:"والقرآن نفسه أعذر حين أنذربأنه لا يمكن أن يأتي الجن والإنس بمثله، وإن اجتمعوا له، وكان بعضهم لبعض ظهيرًا، وبذلك قطعت جهيزة قول كل خطيب".
فثبت بذلك أن المراد بقوله تعالى"لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ"- كما ذكرنا -: هو إثبات عجز الإنس والجن عن الإتيان بمثل هذا القرآن، وأن ذلك فوق طاقاتهم وقدراتهم. وهذا تحد لهم غير مباشر، وهو من أعظم الدلائل على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام.
الأمر الثالث: إذا ثبت عجز الإنس والجن مجتمعين عن الإتيان بمثل هذا القرآن، كان عجز الإنس عن ذلك من باب أولى. وإنما جمع بين الإنس والجن؛ لأن محمدًا عليه الصلاة والسلام مبعوث إلى الثقلين معًا. فقد ثبت بنص القرآن والسنة أن الجن منهم المؤمنون، ومنهم الكافرون. وأن الكافرين منهم كانوا يستمعون إلى القرآن، وهو يتلى، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يجتمع بهم، ويقرأ القرآن عليهم، ويدعوهم إلى الإيمان، وأن كثيرًا منهم من آمن به، وكثيرًا منهم من بقي على كفره. فمثلهم في ذلك مثل الإنس تمامًا؛ ولهذا خاطبهم الله تعالى بقوله:
"يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ" (الأنعام:130)
ومن هنا نرى أنه لا داع لقول من قال: إن التحدي وقع للإنس دون الجن. أو إنه وقع للملائكة؛ لأنهم لا يقدرون - أيضًا - على الإتيان بمثل هذا القرآن. أو إنه وقع للعرب دون العجم .. أو غير ذلك من الأقوال، التي لا تغني من الحق شيئًا. وهو دليل أيضًا على أن اجتماع الإنس والجن ممكن كما ذكرنا.