43 -فإن قلت: فكيف الكلام عليهم، إذا ذهبوا في"الصرفة"إلى الوجه الآخر، فزعموا أن التحدي كان أن يأتوا في أنفس معاني القرآن بمثل نظمه ولفظه؟ وما الذي دل على فساده؟ فإن على فساد ذلك أدلة منها قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَات} [هود: 13] ، وذاك أنا نعلم أن المعنى: فأتوا بعشر سور تفترونها أنتم وإذا كان المعنى على ذلك، فبنا أن ننظر في الافتراء إذا وصف المعنى، وإذا لم يرجع إلا إلى المعنى وجب أن يكون المراد: إن كنتم تزعمون أني قد وضعت القرآن وافتريته، وجئت به من عند نفسي، ثم زعمت أنه وحي من الله، فعضوا أنتم أيضًا عشر سور وافتروا معانيها كما زعمتم أني افتريت معاني القرآن. فإذا كان المراد كذلك، كان تقديرهم أن التحدي كان أن يعمدوا إلى أنفس معاين القرآن فيعبروا عنها بلفظ ونظم يشبه نظمه ولفظه، خروجًا عن نص التنزيل وتحريفًا له.
وذاك أن حق اللفظ إذا كان المعنى ما قالوه أن يقال:"إن زعمتم أني افتريته، فأتوا أنتم في معاني هذا المفتري بمثل ما ترون من اللفظ والنظم". يبين ذلك أنه لو قال رجل شعرًا فأحسن في لظفه ونظمه وأبلغ، وكان له خصم يعانده، فعلم الخصم أنه لا يجد عليه مغمزًا في النظم واللفظ، فترك ذلك جانبًا وتشاغل عنه، وجعل يقول:"إني رأيتك سرقت معاني شعرك وانتحلتها وأخذتها من هذا وذاك، فقال له الرجل في جواب هذا الكلام:"إن كنت قد
سرقت معاني شعري، فقل أنت شعرًا مثله مسروق المعاني"لم يعقل منه إلا أنه يقول:"فقل أنت شعرًا في معانٍ أخر تسرقها كما سرقت معاني بزعمك"ولم يحتمل أن يريد:"أعمد إلى معاني فقل فيها شعرًا مثل شعري", وإنما يعقل ذلك إذا هو قال:"إن كنت قد سرقت معاني شعري، فقل أنت في هذه المعاني المسروقة مثل الذي قلت، وأنظم فيه الكلام مثل نظمي لكلامي، وخبره تحبيري"."
44 -هذه جملة لا تخفي على من عرف مخارج الكلام، وعلم حق المعنى من اللفظ، وما يحتمل مما لا يحتمل. ومنها ما تقدم، من أنه لا يقال في الشيء قد كان يكثر مثله من الإنسان ثم منع منه:"ايت بمثله، وأجهد جهدك، واستعن عليه، فإنك لا تستطيع ولو أعانك الجن والإنس"، وإنما يقال ذلك في البديع المتبدأ، أو الذي لم يسبق إليه، ولم يوجد مثله قط.