ثم ذكر السهيلي الخلاف بين العلماء في أن الروح هي النفس أو غيرها، وقرر أنها ذات لطيفة كالهواء، سارية في الجسد كسريان الماء في عروق الشجر، وقرر أن الروح التي ينفخها الملك في الجنين هي النفس بشرط اتصالها بالبدن، واكتسابها بسببه صفات مدح أو ذم، فهي إما نفس مطمئنة، أو أمّارة بالسوء، قال: كما أن الماء هو حياة الشجر، ثم يكسب بسبب اختلاطه معها اسما خاصا فإذا اتصل بالعنبة وعصر منها مصطارا أو خمرا، ولا يقال له «ماء» حينئذ إلا على سبيل المجاز، وكذا لا يقال للنفس «روح» إلا على هذا النحو، وكذا لا يقال للروح نفس إلا باعتبار ما تؤول إليه، فحاصل ما يقول: إن الروح هي أصل النفس ومادتها، والنفس مركبة منها، ومن اتصالها بالبدن فهي هي من وجه لا من كل وجه وهذا معنى حسن والله أعلم».
وبعد: ذكرنا في سياق التفسير حكمة ورود آية وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ في المكان الذي جاءت به والآن نضيف بعد ما نقلنا تحقيق السهيلي الذي حبّذه ابن كثير:
1 -أن الروح تمرض ومرضها في أن تصاب بالحسد أو الكبر أو الحقد أو العجب أو غير ذلك من أمراض النفس، وإذا مرضت فإنها تحتاج إلى دواء وطبيب، وقد جعل الله الأدوية كلها في كتابه وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ ... فالكلام عن الروح إذن مرتبط بالمرض والشفاء. ومن ثم جاءت في سياقها.
2 -إن شقاء البشر يكمن في نفوسهم، فبقدر ما تطمئن نفوسهم يسعدون. وبقدر ما تتهذب نفوسهم يسعد بعضهم بعضا، ولا تطمئن الأنفس وتتهذب إلا برحمة من الله وهذا القرآن رحمة وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ومن ثم جاءت آية الروح بعد هذا السياق.
3 -توجيه السؤال عن الروح إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم وأمر الرسول صلّى الله عليه وسلّم بإحالة علمها إلى الله، ثم مجيء قوله بعد ذلك وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ دليل على أن مقام محمد صلّى الله عليه وسلّم هو العبودية، وهو الذي بدأت به السورة سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ وأنه مبلغ ومأمور، ووقّاف عند ما يحده الله له، وفي ذلك إقامة حجة على كفر من كفر بالقرآن.