قال أهل النظم: لما بين أنه ما أتاهم من العلم إلا القليل أراد يبين أنه لو شاء أن يأخذ منهم ذلك القليل لقدر عليه فقال: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} قلت: في نسبة علم القرآن إلى القلة خروج من الأدب فالأولى في وجه النظم أن يقال: إنه لما كشف لهم الغطاء عن مسألة الروح ، وبين أن ذلك من العلوم الإلهية التي لا نهاية لها لا من العلوم الإنسانية القليلة ، وكان فيه بيان كمال علمه تعالى ونقصان علم الإنسان ، أراد أن يبين غاية قدرته ونهاية ضعف الإنسان أيضاً فبين أنه قادر على ذهاب القرآن ونحوه عن الصدور والمصاحف ، وسيكون ذلك في آخر الزمان كما جاء في الروايات ثم لا يجد النبي - الذي هو أكمل أنواع الإنسان - من يتوكل عليه باسترداده فضلا عن غيره {إلاَّ رحمة من ربك} استثناء متصل أي إلا أن يرحمك بربك فيرده عليك كأن رحمته تتوكل عليه بالرد ، أو منقطع معناه ولكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به {إن فضله} بإيحاء القرآن إليك ثم إبقائه عليك أو بهذا وبسائر الخصائص والمزايا {كان عليك كبيراً} وفيه أن نعمة القرآن وبقاءه محفوظاً في الصدور مسطوراً في الدفاتر من أجلّ النعم وأشرفها ، فعلى كل ذي علم أن لا يغفل عن شكرها والقيام بمواجبها جعلنا الله ممن يراعي حق القرآن ويعمل بمقتضاه. واحتج الكعبي بالآية على أن القرآن مخلوق لن ما يمكن إزالته والذهاب به يستحيل أن يكون قديماً ، وأجيب بأن إزالة العلم عن القلوب والذهاب بالنقوش الدالة عليه في المصاحف لا يوجب حدوث الكلام النفسي الذي هو محل النزاع. ثم دل على أن الذي أوحى إليه ليس من جنس كلام المخلوقين فقال: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن} الآية. وقد مرّ وجه إعجاز القرآن في أوائل سورة البقرة. فإن قيل: هب أنه ظهر عجز الإنسان عن معارضته فكيف يعرف عجز الجن عن معارضته ، ولم لا يجوز أن يقال: إن الجن أعانوه على هذا التأليف سعياً في إضلال الخلق؟ وإخبار محمد بأنه