ولما كان أمر الروح مشتبهاً على الناس كلهم أو جلهم ختم الآية بقوله: {وما أوتيتم من العلم إلاَّ قليلاً} وذلك أن الإنسان وإن كمل علمه وكثرت معرفته بحقائق الأشياء ودقائقها فإن ما علم يكون أقل ما لم يعلم ، فإذا نسب معلومه إلى معلومات الله المشار إليها بقوله: {وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ} [لقمان: 27] {قل لو كان البحر مداد الكلمات ربي} [الكهف: 109] كان كلا شيء فإنه لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي أصلاً. وقال بعض المفسرين: هو خطاب لليهود خاصة لأنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: قد أوتينا التوراة وفيها الحكمة وقد تلوت: {ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيراً كثيراً} [البقرة: 269] فقيل لهم: إن علم التوراة قليل في جنب علم الله ، وذكر الإمام فخر الدين الرازي أن قوله: {قل الروح من أمر ربي} يدل على أن الروح حادث لأن الأمر قد جاء بمعنى الفعل. قال تعالى: {وما أمر فرعون برشيد} [هود: 97] أي فعله وقال: {ولما جاء أمرنا} [هود: 94] أي فعلنا. وإذا حصل الروح بفعل الله وتكوينه كان من المحدثات. ثم ذكر حجة أخرى على حدوث الروح مستنبطة من قوله سبحانه: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} ووجه تقريرها أن الإنسان بل روحه في مبدأ الفطرة خال عن العلوم والمعارف ، ثم لا يزال يحصل له المعارف فهو دائماً في التبدل والتغير من النقصان إلى الكمال وكل متغير محدث. ومنع كلية هذه القضية عند الخصم مشهور على أن حمل وقت قلة العلم على أول الفطرة تخصيص من غير دليل ، مع أن ظاهر الآية يدل على أن الإنسان وإن أوتي حظاً من العلم وافراً ، فإنه قليل بالإضافة إلى علم عالم الذات. وقيل: الروح المذكور في الآية هو القرآن الذي تسبب لحياة الروح كأن القوم استعظموا أمره فسألوا إنه من جنس الشعر أو من جنس الكهانة فأجابهم الله تعالى بأنه ليس من جنس كلام البشر وإنما هو كلام ظهر بأمر الله ووحيه وتنزيله.