ولكن الذي عليه التعويلُ: إما كونُها أسماءً للسور المصدرة بها ، وعليه إجماعُ الأكثر ، وإليه ذهب الخليلُ وسيبويه ، قالوا سمِّيت بها إيذاناً بأنها كلماتٌ عربيةٌ معروفةُ التركيب من مسميات هذه الألفاظ ، فيكون فيه إيماءٌ إلى الإعجاز والتحدّي على سبيل الإيقاظِ ، فلولا أنه وحيٌ من الله عز وجل لما عجِزوا عن معارضته ، ويقرُب منه ما قاله الكلبيُّ والسّدي وقَتادة من أنها أسماءٌ للقرآن ، والتسمية بثلاثة أسماءٍ فصاعداً إنما تُستنكر فِي لغة العرب إذا رُكِّبَتْ وجُعلت إسماً واحداً ، كما فِي حَضْرَموت ، فأما إذا كانت منثورة فلا استنكار فيها ، والمسمى هو المجموعةُ لا الفاتحة فقط ، حتى يلزمَ اتحادُ الاسمِ والمسمى ، غايةُ الأمر دخولُ الاسم فِي المسمى ، ولا محذورَ فيه ، كما لا محذورَ فِي عكسه حسبما تحققْتَه آنفاً ، وإنما كُتبت فِي المصاحف صورُ المسميات دون صور الأسماءِ لأنه أدلَّ على كيفية التلفّظ بها ، وهي (إمَّا) أن يكون على نهْج التهجّي دون التركيب ولأن فيه سلامةً من التطويل لا سيما فِي الفواتحِ الخُماسية ، على أن خطَّ المُصحف مما لا يناقَشُ فيه بمخالفة القياسِ ، وإما كونها مسرودةً على نمط التعديد ، وإليه جنَح أهلُ التحقيق.
قالوا إنما وردت هكذا ليكون إيقاظاً لمن تُحِدِّيَ بالقرآن ، وتنبيهاً لهم على أنه منتظمٌ من عين ما ينظِمون منه كلامَهم ، فلولا أنه خارجٌ عن طوْق البشر ، نازلٌ من عند خلاّق القُوى والقَدَر ، لما تضاءلت قوتُهم ، ولا تساقطت قدرتُهم ، وهم فرسانُ حَلْبةِ الحِوار ، وأُمراءُ الكلام فِي نادي الفخار ، دون الإتيانِ بما يُدانيه ، فضلاً عن المعارَضة بما يُساويه ، مع تظاهرهم فِي المضادّة والمضارّة ، وتهالُكِهم على المعَازة والمعارّة.