الأعلام منقولة عن معانيها للتفرقة بين المسميات، ونقلت هاهنا حروف المعجم إلى التسمية. وقد جاء نظير ذلك في أسماء العرب، قالوا: (أوس بن حارثة بن لأم الطائي) .
ولا خلاف بينهم أن لك أن تسمي بحروف المعجم كما أن لك أن تسمي بالجمل كقولهم: (تأبط شرًّا) ، و (ذرّى حبًّا) ، قال الشاعر:
إن لها لَرَكَبًا إرزَبَّا ... كأنه جبهةُ ذرّى حَبَّا
فكل كلمة لم تكن على معنى الأصل فهي منقولة إلى التسمية للفرق، فمن ذلك (زيد) لما لم يرد به معنى الزيادة، لم يكن إلا منقولا. وكذلك جميع الأسماء الأعلام ولو سميت رجلا: (ب ت ث) ، [لقلت (هذا ب ت ث) ] ، ورأيت: (ب ت ث) فحكيت هذا القول كان جائزا.
وقال أبو العالية: ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسماء الله عز وجل، وليس منها حرف إلا وهو في آلائه وبلائه، وليس منها حرف إلا وهو في مدة قوم وآجال آخرين.
فالاختلاف في هذه الحروف كما ترى، وقد ذكرت عيون أقاويل أهل التأويل. وليس يبعد أن يقال: إن جميع ما ذكر من هذه التأويلات كلها مرادة بهذه الحروف مودعة فيها، ولا تنافي في هذه الأقوال، لأنه ليس كون هذه الحروف مفاتح أسماء الله تعالى بمانع أن تكون مما أقسم الله بها، ولا أن يشير بها إلى مدة قوم وآجال أناس عرف الله نبيه عليه السلام ذلك على الخصوص.
فإن قيل: كيف كتبوا في المصحف هذه الحروف موصولة، والهجاء منقطع لا يتصل بعضه ببعض؟
قلنا: لأنه لم يقصد به الهجاء، إنما هي حروف اجتمعت يراد بكل حرف منها معنى، فهي وإن كانت في صورة الهجاء فإن تحتها معاني، فكانت من هذا الوجه في معنى الكلمات الموصولة.
فإن قيل: فلم قطعت {حم عسق} ولم تقطع {كهيعص} .
قلنا: لأن (حم) قد ذكرت في أوائل سور أخرى، فقطعت مما بعدها، لأن هذه السور كغيرها مما افتتح بـ (حم) .
هذا هو الكلام في الحروف المقطعة في هذه السورة. فأما في سائر السور فسنأتي على بيانها إن شاء الله. انتهى انتهى {التفسير البسيط. 2/ 7 - 26} .