لصلاحية الحدثان مكان الحوادث وكذلك هذا أيضاً كان ما يسوء مكان سيئاته ذلك إشارة إلى جميع أنواع التكاليف من قوله {لا تجعل مع الله إلها آخر} إِلَى قَوله {ولا تمش في الأرض مرحاً} وهي أربعة وعشرون نوعاً من التكاليف بعضها أمر وبعضها نهي بدأها بقوله {لا تجعل} .
واختتم الآيات بقوله {ولا تجعل} وقال: مما أوحى لأن ذلك بعض مما أوحي إليه إذا أوحى إليه بتكاليف أخر ، و {مما أوحى} خبر عن ذلك ، و {من الحكمة} يجوز أن يكون متعلقاً بأوحى وأن يكون بدلاً من ما ، وأن يكون حالاً من الضمير المنصوب المحذوف العائد على ما وكانت هذه التكاليف حكمة لأن حاصلها يرجع إلى الأمر بالتوحيد وأنواع الطاعات والإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة ، والعقول تدل على صحتها وهي شرائع في جميع الأديان لا تقبل النسخ.
وعن ابن عباس: إن هذه الآيات كانت في ألواح موسى عليه السلام ، أولها {لا تجعل مع الله إلهاً آخر} قال تعالى: {وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء} وكرر تعالى النهي عن الشرك ، ففي النهي الأول.
{فتقعد مذموماً مخذولاً} وفي الثاني {فتلقى في جهنم ملوماً مدحوراً} والفرق بين مذموم وملوم أن كونه مذموماً أن يذكر أن الفعل الذي أقدم عليه قبيح منكر ، وكونه ملوماً أن يقال له بعد الفعل وذمّه لم فعلت كذا وما حملك عليه وما استفذت منه إلاّ إلحاق الضرر بنفسك ، فأول الأمر الذم وآخره اللوم ، والفرق بين مخذول ومدحور أن المخذول هو المتروك إعانته ونصره والمفوض إلى نفسه ، والمدحور المطرود المبعد على سبيل الإهانة له والاستخفاف به ، فأول الأمر الخذلان وآخره الطرد مهاناً.
وكان وصف الذم والخذلأن يكون في الدنيا ووصف اللوم والدحور يكون في الآخرة ، ولذلك جاء {فتلقى في جهنم} والخطاب بالنهي في هذه الآيات للسامع غير الرسول.