وكما قال - سبحانه -: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ. حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ.
واسم الإشارة أُولئِكَ على التفسيرين يعود إلى السمع والبصر والفؤاد، إما لأن هذا الاسم يشار به إلى العقلاء ويشار به إلى غير العقلاء، كما في قول الشاعر:
ذمّ المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام
وإما لأن هذه الأعضاء أخذت حكم العقلاء، لأنها جزء منهم، وشاهدة عليهم.
وعلى كلا التفسيرين أيضا، يتمثل التحذير الشديد للإنسان عن أن يتبع ما ليس له به علم.
قال الجمل: وقوله - تعالى -: كُلُّ أُولئِكَ مبتدأ، خبره جملة كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا، والضمير في «كان» وفي «عنه» وفي «مسئولا» يعود على كل. أي: كان كل واحد منها مسئولا عن نفسه، يعني عما فعل به صاحبه: ويجوز أن يكون الضمير في: «عنه» لصاحب السمع والبصر والفؤاد .. .
وشبيه بهذه الآية في النهي عن اتباع ما لا علم للإنسان به. قوله - تعالى -: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ، وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً، وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ.
وقوله - سبحانه -: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً، وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ.
قال الإمام ابن كثير: ومضمون ما ذكروه - في معنى قوله - تعالى -: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ .. أن الله - تعالى - نهى عن القول بلا علم، كما قال - سبحانه -:
اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ .. وفي الحديث: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ... » وفي سنن أبى داود: «بئس مطية الرجل زعموا» وفي الحديث الآخر:
«إن أفرى الفري - أي أكذب الكذب - أن يرى الرجل عينيه ما لم تريا» .