والمعنى: أي وأتموا الكيل للناس، ولا تخسروهم، إذا كلتم لهم حقوقهم من قبلكم، فإن كلتم لأنفسكم فلا جناح عليكم إن نقصتم عن حقكم، ولم تفوا الكيل {وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ} ؛ أي: وزنوا بالميزان المعتدل بحيث لا يميل إلى أحد الجانبين، فيقع الجور، أو الحيف لأن جميع الناس محتاجون إلى المعاوضات، والبيع والشراء، ومن ثم بالغ الشارع في المنع من التطفيف، والنقصان سعيًا في إبقاء الأموال لأربابها، والقسطاس هو كل ما يوزن به صغيرًا كان أو كبيرًا، من ميزان الدّرهم إلى ما هو أكبر منه، وقيل هو القبان.
وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر {القسطاس} بضم القاف، وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم بكسر القاف، وقرأت فرقة بالإبدال من السين الأولى صادًا.
{ذلِكَ} ؛ أي: إيفاؤكم بالعهد، وإيفاؤكم من تكيلون له، ووزنكم بالعدل، لمن توفون له {خَيْرٌ} لكم في الدنيا من نكثكم وبخسكم في الكيل والوزن، لأن ذلك مما يرغّب الناس في معاملتكم، وحب الثناء عليكم {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} ؛ أي: وأجمل عاقبة لما يترتّب على ذلك من الثواب في الآخرة، والخلاص من العقاب الأليم، وكثير من الفقراء الذين اشتهروا بالأمانة، والبعد عن الخيانة، أقبلت عليهم الدنيا، وحصل لهم الثروة والغنى وكان ذلك سبب سعادتهم في الدنيا، فقوله: {تَأْوِيلًا} تفعيل من آل إذا رجع، وهو ما يؤول إليه أمره.
36 -وبعد أن ذكر سبحانه أوامر ثلاثةً نهى عن مثلها فقال: {وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} ؛ أي: ولا تتبع أيها المرء ما لا علم لك به ولا ظنّ من قول أو فعل، من قولك: قفوت فلانا إذا اتبعت أثره، ومنه قافية الشّعر؛ لأنها تقفو كل بيت، ومنه القبيلة المشهورة بالقافة؛ لأنهم يتّبعون آثار أقدام الناس؛ أي: لا تكن في اتباع ما لا علم لك به من قول، أو فعل، كمن يتبع مسلكًا لا يدري أنه يوصله إلى مقصده، وذلك دستورٌ شامل لكثير من شؤون الحياة، ومن ثمّ قال المفسرون فيه أقوالا كثيرة:
1 -قال ابن عباس: لا تشهد إلّا بما رأت عيناك وسمعته أذناك، ووعاه قلبك.
2 -قال قتادة: لا تقل سمعت ولم تسمع، ولا رأيت ولم تر، ولا علمت ولم تعلم.