وبعد أن نهى عن الزنا والقتل، وأكل مال اليتيم .. أتبعها بثلاثة أوامر: فقال: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ} ، أي: أتموا بالعهد سواء جرى بينكم وبين ربكم، أو بينكم وبين غيركم من الناس، أي وأوفوا بما عاهدتم الله عليه من التزام ما كلفكم به، وما عاهدتم الناس عليه من العقود التي تتعاملون بها في البيوع، والإجارة، ونحوها، قال الزجاج: كل ما أمر الله به ونهى عنه فهو من العهد، ويدخل في ذلك ما بين العبد وربّه، وما بين العباد بعضهم مع بعض، والوفاء به: القيام بحفظه على الوجه الشرعيِّ، والقانون المرضيّ {إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا} عنه، فيسئل النَّاكث، ويعاقب عليه يوم القيامة؛ أي: إنّ الله سبحانه وتعالى سائل ناقض العهد عن نقضه إيَّاه، فيقال للناكث على سبيل التبكيت والتوبيخ: لم نكثت عهدك، وهلا وفيت به؟ كما يقال لوائد الموءودة بأيّ ذنب قتلت؟ وقوله تعالى لعيسى عليه السلام: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ} والمخاطبة لعيسى والإنكار على غيره، أو مطلوبًا يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به
35 - {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ} . أي: أتمّوه، ولا تخسروه {إِذا كِلْتُمْ} لغيركم؛ أي: وقت كيلكم للمشترين، وتقييد الأمر بذلك، لأن التطفيف هناك، وأمّا وقت الاكتيال على النّاس، فلا حاجة إلى الأمر بالتّعديل قال تعالى: {إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ} فالخطاب فيه للبائعين، وأخذ من هذا بعضهم أنّ أجرة الكيال على البائع؛ لأنها من تمام التسليم، وكذلك عليه أجرة النقّاد للثمن، وهو كذلك كما هو مقرر في الفروع اهـ شيخنا.