فالمراد بالتي حرّم الله التي جعلها معصومة بعصمة الدين، أو عصمة العهد، والمراد بالحق الذي استثناه، هو ما يباح به قتل الأنفس المعصومة في الأصل من إحدى الأمور الثلاثة المذكورة في الحديث السابق؛ أي: لا تقتلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب متلبس بالحق، أو إلا متلبسين بالحق.
ولتحريم القتل حكم:
1 -أنه إفساد، فوجب تحريمه لقوله: {وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ} .
2 -أنه ضرر، والأصل في المضارة الحرمة لقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ضرر ولا ضرار» .
3 -أنه إذا أبيح القتل زال هذا النوع من الوجود، ففتك القوي بالضعيف،
وحدث الاضطراب في المجتمع، فلا يستقيم للنّاس حال، ولا ينتظم لهم معاش.
{وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا} ؛ أي بغير سبب من الأسباب المسوّغة لقتله شرعًا {فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ} ؛ أي: لمن يلي أمره من ورثته إن كانوا موجودين، أو ممن له سلطان إن لم يكونوا موجودين {سُلْطانًا} ؛ أي: تسلّطًا واستيلاءً على القاتل، إن شاء قتل، وإن شاء عفا، وإن شاء أخذ الدّية.
ثم لما بيّن إباحة القصاص لمن هو مستحق لدم المقتول، أو ما هو عوضٌ عن القصاص، نهاه عن مجاوزة الحد فقال: {فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} ؛ أي: لا يتجاوز ما أباحه الله له، فيقتل بالواحد اثنين، أو جماعة كما كانوا يفعلون في الجاهلية؛ إذ كانوا يقتلون القاتل، ويقتلون معه غيره، إذا كان رجلًا شريفًا، وأحيانًا لا يرضون بقتل القاتل، بل يقتلون بدله رجلًا شريفًا، أو يمثّل بالقاتل أو يعذبه.
وفي الآية: إيماء إلى أن الأولى للولي أن لا يقدم على استيفاء القتل، وأن يكتفي بالدية أو يعفو.
ثم علل النهي عن السرف فقال: {إِنَّهُ} ؛ أي: إن ولي المقتول {كانَ مَنْصُورًا} من جهة الله سبحانه وتعالى؛ أي: إنّ الله سبحانه نصر الولي بأن أوجب له القصاص، أو الدية، وأمر الحكّام أن يعينوه على استيفاء حقه، فلا يبغي ما وراءه، ولا يطمع في الزيادة على ذلك.