واختلف العلماء في النكتة البلاغية التي نكر من أجلها {ليلاً} بلفظ التنكير تقليل مدة الإسراء ، وأنه أُسري به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة. وذلك أن التنكير فيه قد دل على معنى البعيضة ، ويشهد لذلك قراءة عبد الله وحذيفة {من الليل} أي بعض الليل. كقوله: {وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً} [الإسراء: 79] يعني بالقيام في بعض الليل اه ، واعترض بعض أهل العلم هذا.
وذكر بعضهم: ان النتكير في قوله {ليلاً} للتعظيم. أي ليلاً أي ليل ، دنا فيه المحب إلى المحبوب! وقيل فيه غير ذلك. وقد قدمنا: أن أسرى وسرى لغتان. كسقى وأسقى ، وقد جمعهما قول حسان رضي الله عنه:
حي النضيرة ربة الخدر... أسرت إليك ولم تكن تسري
بقتح التاء من"تسري"والباء في اللغتين للتعدية ، كالباء في {ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ} [البقرة: 17] وقد تقدمت سواهد هذا في (سورة هود) .
تنبيه
اختلف العلماء - هل رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسراء بعين رأسه أو لا؟ فقال ابن عباس وغيره:"رآه بعين رأسه"وقالت عائشة وغيرها:"لم يره". وهو خلاف مشهور ، بين أهل العلم معروف.
قال مقيده عفا الله عنه: التحقيق الذي دلت عليه نصوص الشرع: أنه صلى الله عليه وسلم لم يره بعين راسه. وما جاء عن بعض السلف من أنه رآه. فالمراد به الرؤية بالقلب. كما في صحيح مسلم:"أنه رآه بفؤاده مرتين"لا بعين الرأس.
ومن أوضح الأدلة على ذلك - أن أبا ذر رضي الله عنه (وهو هو في صدق اللهجة) سأل النَّبي صلى الله عليه وسلم عن هذه المسالة بعينها.
فأفتاه بما مقتضاه: أنه لم يره. قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا وكيع ، عن يزيد بن إبراهيم ، عن قتادة ، عن عبد الله بن شقيق ، عن أبي ذر قال: سأّلت رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأّيت ربك؟ قال:"نور! أنى أراه؟".