وجه الإعجاز الحق إذا هو ما اتسم به القرآن من بلاغة، تحير فيها أهل الفصاحة من العرب، وأعيان البلاغة من بينهم، فسلموا، ولم يشغلوا أنفسهم بمعارضته؛ لعلمهم بالعجز عن بلوغ مداه، وقوله تعالى حكاية عنهم: (لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا) (الأنفال 31) .
يحمل دليل عجزهم، فلو كانوا على ما وصفوا به أنفسهم: من القدرة على المجيء بمثل القرآن، لتجاوزوا الوعد إلى الوفاء بما ادعوا، فلما لم ينجزوا ما وعدوا، علم عجزهم وقصور باعهم.
ولما كانت البلاغة سر هذا الإعجاز، وجب أن نلتمس أسبابها، وندرك مظاهرها، ونضع اليد على الخصائص التي تعرض في نظم الكلم، حتى لا نكون مقلدين فيما نعلم، وحتى تكون معرفتنا معرفة الصانع الحاذق، الذي يعلم كل خيط من الإبريسم الذي في الديباج، وكل قطعة من القطع المنجورة في الباب المقطع، وكل آجرة من الآجر الذي في البناء البديع. انتهى انتهى {من بلاغة القرآن، للدكتور/ أحمد البيلي} ...