السؤال الأول: منها قولهم: لا نسلّم أن القرآن معجز، وعمدتكم في إعجازه إنما هو التحدي وقررتم التحدي على تلك الآيات التي تلوتموها، ونحن ننكر تواترها، فإن المتواتر من القرآن إنما هو جملته دون الآحاد منه، ويؤيد ما ذكرناه، ما وقع من التردد والاختلاف في مفرداته، دون جملته، بدليل أمور ثلاثة، أما أولا فلأنه نقل عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه أنكر الفاتحة والمعوذتين أنها من القرآن، وبقى هذا الإنكار إلى زمن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وأما ثانيا فلما وقع من الخلاف الشديد في (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ(1) [سورة الفاتحة: 1] هل هي من القرآن أو لا، وقد أثبتها ابن مسعود في صدر سورة براءة، ونفاها أبي بن كعب وزيد بن ثابت، وأما ثالثا فلما يحكى عن أبي بن كعب، أنه أثبت في القرآن آية القنوت وهي قوله: «اللهمّ اهدنى فيمن هديت» وقوله:
«لو أنّ لابن آدم واديين من ذهب لابتغى لهما ثالثا» ونفى ذلك ابن مسعود وغيره فهذه الأمور كلها دالة على أنه غير متواتر في تفاصيله، وآيات التحدي من جملة التفاصيل، فلهذا لم يحكم بثبوتها في المصحف، فلا يكون فيها دلالة.
وجوابه من وجهين: أما أولا فلأنا نقول القرآن بجملته وتفاصيله كلها منقول بالتواتر، سواء، من غير تردد في ذلك، والبرهان على ذلك هو أنا نعلم بالضرورة من غير شك، أن في هذا الزمان لو حاول أحد أن يدخل فيه حرفا ليس منه أو يخرج منه حرفا هو فيه، لوقف على موضع الزيادة والنقصان، جميع الصبيان، فضلا عن أكابر العلماء وأفاضل الناس، فكيف تصح هذه الدعوى، بأن تكون تفاصيله غير متواترة.
وأما ثانيا: فلأنا نعلم بالضرورة أن حال الناس في التشدد عن المنع من تغيير القرآن وتبديله في عهد الصحابة رضي الله عنهم، إن لم يكن أقوى من حال زماننا هذا، فإنه ما كان أقل منه، فإذا لم يؤثر فيه خلاف وتردد في زماننا فهكذا حال من قبل، وهذا يبطل كلام الملاحدة في أنه غير متواتر التفاصيل.