ذكر الجمل: اللام بمعنى على وإنَّمَا عبر بها للمشاكلة، قال أبو البقاء: وهو الصحيح لأن اللام للاختصاص، والعامل مختص بجزاء عمله حسنة وسيئة، أو بمعنى على واللام للمشاكلة مثل: (يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ) و (وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ) . وهذه اللام تتعلق بمحذوف على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: فلها الإساءة لا لغيرها كما أشار إليه المصنف.
وقال الآلوسي: فلها أي فالإساءة عليها لما يترتب على ذلك من العقاب، فاللام بمعنى على كلما في قوله: * فخرَّ صريعا لليدين وللفم * وعبر بها لمشاكلة ما قبلها. وقال الطبري: هي بمعنى إلى، فإساءتها راجعة إليها. وقيل: إنها للاستحقاق كما في قوله تعالى: (لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) .
وعند الزمخشري: أنها للاختصاص، وتعقب بأنه مخالف لما في الآثار من تعدي ضرر الإساءة إلى غير المذنب. وقيل: للنفع كالأولى لكن على سبيل التهكم.
أقول: أحسن وأساء يتعديان بـ (إلى) فإن تعديا بغيرها يَحسُن حملهما على التضمين. قَالَ تَعَالَى: (وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) .
وفي الحديث:"يا ربِّ أُسيءَ إليَّ". فإذا تعدى (أساء) باللام فقد تضمن معنى (جَرَم) . فمن جرم فلنفسه من السيئات يرتد قَسْمه وجَرْمه وكَسْبه، ويُحمِّل نفسه ما لا تُطيق مما يُثقلها ويتدافع بها. وإذا تعدى أحسن باللام تضمن معنى (جاد) جدت له بالمال جوداً ورجل مجواد. وفي الحديث:
"تجودتها لك"أي تخيرت أجودها. وإذا تعدى أساء بـ (في) تضمن معنى (نكى) . وفي الحديث:
"أعوذ باللَّه أن أسوءك في عائشة". وإذا تعدى بالباء تضمن معنى (تأذى) ففي التنزيل: (سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا) . وهكذا يستضيء كل سياق بحرفه في استشفات معناه على طرف من المُلامحة، وتبقى الحال موكولة إلى ملاطفة التاؤل وسَعَة النظر. والانتفاع بها ليس إلى غاية، ولا وراءها من نهاية.
والعين تنطق والأفواه صامتة ... حتى ترى من سياق اللفظ تبيانا
(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ...(9)
ذكر ابن القيم: ففعل الهداية متى عدي باللام تضمن (التخصيص بالشيء المطلوب) ، فأتى باللام الدالة على الاختصاص والتعيين.
وحكى الزركشي وكذلك المالقي والفراء والهروي وابن الجوزي وابن قتيبة: اللام بمعنى (إلى) بدليل قوله تعالى: (وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) .