فلو أنه قال: إن قاتل العمد بما ذكر الله من عقوبته مات بغير توبة
يخلد في النار ، واستوجب العقوبة المذكورة له في الآية ، ولم يمنعه التوبة
كان كلامه أشد استقامة وأحسن توجهَا كما أن الكافر المذكور عقوبته
بالخلود واللعنة والغضب كذكر عقوبة القاتل إذا مات على كفره قبل
إحداث التوبة منه استوجب ما ذكر به ، وخلد في النار بكفره مع أن
هذا وإن حسن توجهه من قوله فإنا لا نسلمه له في الموحدين وإن ماتوا
بغير توبة ، للحجج التي حواها فصول كتابنا هذا على نسق الآيات في
السور ، وعند الرد على المعتزلة والشراة ، والأخبار الصحيحة عن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نزل الموحدين في النار ،
وإخراج من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان منها.
ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلم بتأويل ما نزل عليه من التغليظ في آية قاتل العمد.
ونحن وفقهاء المسلمين كافة من أصحاب رسول ا الله - صلى
الله عليه وسلم - والتابعين والأئمة بعدهم نخص بالسنة الصحيحة
عموم القرآن ، ونجعلها بيانا لجملته.
وبعد فقد وجدنا آية في سورة المائدة تدل على أن التوبة مقبولة من
قاتل العمد بلفظ التوبة - وإن كان كلما ذكرناه من تمهيد التوبة له شافيًا
قال الله تبارك وتعالى - وهي آية مدينية -: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ(33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34)
ولا يشك أحد أن المحاربين قد يبلون لا محالة بالقتل إذا طال مكثهم في
المحاربة ، ولم يَستثنِ الله منهم القاتل ، بل الفقهاء المتقدمون والأئمة