والسرف قد يكون في طلب الثواب وغيره من المباحات ، لأن دفع
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قميصه إلى المرأة كان في التماس
ثواب ، فلما أخرجه إلى العُري نهُي عنه وأمر بالقصد ، والقصد مع
ذلك قصدان: فللموسع قصد على مقدار اتساعه ، وللمقتر قصد على
قدر إقتاره.
قال الله تبارك وتعالى: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ) .
قوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ)
حجة في وجوب نفقة الآباء على الأبناء. إذ لوكانت النفقة غير واجبة
لهم عليهم لكان في الناس من تسمح نفسه بترك الإنفاق ، وكان مع عدم
الإجبار عليه آمنًا من الإملاق.
والآية عامة المخرج على جميع الآباء ، فلا تدل إلاّ على الوجوب بل
على الإجبار مع المنع.
وفيها عظة للمغتمين بكثرة ولادة الأولاد خشية العجز عن القيام
بنفقاتهم ومؤناتهم ، وفي ضمانه تبارك وتعالى نفقتهم أمان للمضمون له
ما يتقيه من العجز ، ويحذره من دخول الفقر عليه بسبب أولاده ،
وبشارة يسكن إليها المؤمن ويزول اضطراب قلبه بما لا يخلف ضامنه من
وعده.
وإذا كان في حياته مضمونا له رزق أولاده وهو قيمهم فبعد وفاته
أحرى أن تحسن خلافة ضامنه عليهم. وفي ذلك تطييب أنفس من
يترك بعده أصاغر ، وسكون قلوبهم إلى من لا يخلف ميعادًا ، ولا يضيع
لهالكٍ أولادا.
وفي تركه تبارك وتعالى ذكر القود عنِ الآباء في قتل من يقتلونه من
الأولاد ، وإفرادهم غيرهم بالقتل في قوله: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا) ، لمن يزيل القود بين الآباء والأبناء متعلق ،
وإن لم يكن بالبين جدا.
ذكر السرف فِي القتل.
قوله: (فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ)
دليل على أن لا تقتل نفسٌ بأنفس ، لدخوله تحت السرف في ظاهر الفعل.