وقد قال ابن حجر على حديث حنين الجذع: فيه دلالة على أن الجمادات قد يخلق الله لها إدراكًا كالحيوان، بل كأشرف الحيوان، وفيه تأييد لمن يحمل قوله: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) على ظاهره. اهـ.
وقال ابن عطية: اختلف أهلُ العلم في هذا التسبيح فقالت فرقة: هو تجوز، ومعناه: أن كل شيء تبدو فيه صفة الصانع الدالة عليه، فتدعو رؤية ذلك إلى التسبيح من المعتبر. وقالت فرقة: قوله: (مِنْ شَيْءٍ) لفظه عموم،
ومعناه الخصوص في كل حي ونام، وليس ذلك في الجمادات الميتة.
فمن هذا قول عكرمة: الشجرة تُسبح، والاسطوانة لا تُسبح.
قال يزيد الرقاشي للحسن - وهما في طعام، وقد قدّم الخِوان -: أيسبح هذا الخوان يا أبا سعيد؟
فقال: قد كان يُسبح مدة. يريد أن الشجرة، في زمان نموها واغتذائها، تُسَبح.
وقد صارت خوانًا أو نحوه، أي: صارت جمادًا. وقالت فرقة: هذا التسبيح حقيقة، وكل شيء، على العموم، يُسبح تسبيحًا لا يسمعه البشر ولا يفقهه، ولو كان التسبيح ما قاله الآخرون من أنه أثر الصنعة، لكان أمرًا مفهومًا، والآية تنطق بأنه لا يُفقه، وينفصل عنه بأن يريد بقوله: (لا تَفْقَهُونَ) الكفار والغفلة، أي: أنهم يُعرضون عن الاعتبار فلا يفقهون حكمة الله في الأشياء. اهـ.
قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن العارف: وربما يدل للعموم تسبيح الحصى في يده - عليه الصلاة والسلام - ، وكذا حنين الجذع ومحبة أُحد، وكذا تسبيح الطعام.
وأما التخصيص بالناميات من نبات غير يابس، وحجر متصل بموضعه، فهو خصوص تسبيح بالاستمداد إلى الحياة، ولا ينتفي مطلق الاستمداد لأن الجماد يستمد الوجود وبقاءه من الله، فهو عام، وقد قال تعالى: (يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ) وتدبر حنين الجذع. اهـ.
(وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ ...(60)