قُلْتُ: وَفِي هَذَا الْقَوْلِ نَظَرٌ، فَإِنَّ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ يَوْمَ القيام يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ فَيُقَالُ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ) خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ.
فَقَوْلُهُ: (هذه غدرة فلان ابن فلان)
دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّاسَ يُدْعَوْنَ فِي الْآخِرَةِ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ، وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّمَا يُدْعَوْنَ بِأَسْمَاءِ أُمَّهَاتِهِمْ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ سَتْرًا عَلَى آبَائِهِمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ) هَذَا يُقَوِّي قَوْلَ مَنْ قَالَ: (بِإِمامِهِمْ) بِكِتَابِهِمْ.
وَيُقَوِّيهِ أَيْضًا قَوْلُهُ: (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ) .
(فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) الْفَتِيلُ الَّذِي فِي شق النواة.
(وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً(72)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى) أَيْ فِي الدُّنْيَا عن إبصار الحق.
(فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ) (أَعْمى) .
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: جَاءَ نَفَرٌ مِنْ أهل اليمين إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلُوهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: اقْرَءُوا مَا قَبْلَهَا (رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ) - إِلَى - (تَفْضِيلًا) .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ النِّعَمِ وَالْآيَاتِ الَّتِي رَأَى أَعْمَى فَهُوَ عَنِ الْآخِرَةِ الَّتِي لَمْ يُعَايِنْ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى مَنْ عَمِيَ عَنِ النِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ عَنْ نِعَمِ الْآخِرَةِ أَعْمَى.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى مَنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا الَّتِي أُمْهِلَ فِيهَا وَفُسِحَ لَهُ وَوُعِدَ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا.
وَقِيلَ: وَمَنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا أَعْمَى عَنْ حُجَجِ اللَّهِ بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، كَمَا قَالَ: (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى) الْآيَاتِ.