قوله تبارك وتعالى: {فإذا جاء وعد الآخرة ليسئوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة} (17: 7) .
معنى الآخرة، أي: المرة الآخرة التي هي إحدى المرتين السابق ذكرهما. وجواب هذا الشرط محذوف، تقديره: بعثنا، دل عليه الجواب السابق، وهو قوله تعالى: {بعثنا عليكم عبادا لنا} (17: 5) .
سؤال: كيف يحسن أن يرتب على فساد بني إسرائيل دخول المسجد وهتك حرمته، لأن ذلك إن كان يؤلمهم فهذا مدح لهم، بكونهم يعز عليهم انتهاك الحرمات، والمدح لا يؤتى به في سياق الذم والعقاب. وإن لم يكن عقابًا مؤلمًا [لهم] ، فلا يحسن ترتيبه عقابًا على الفساد، إذ لا عقاب إلا بمؤلم.
والجواب: أنه ليس من هذا القبيل، بل ذكر ذلك ليعلمهم أن إفساد المسجد وانتهاك حرمته كان بسببكم وعصيانكم [فأنتم] المنتهكون للحرمة في الحقيقة، فعليكم وزر الهتك، فهذا إخبار لهم بزيادة العقاب.
قوله تبارك وتعالى: {وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة} ... (17: 12) .
فيه سؤال: كيف يحسن استعمال الجعل هاهنا مع أن المجعول فيه، ينبغي أن يتصف قبل الجعل مع ضد المجعول كقولك: جعلت زيدًا قائمًا، فهو قبل ذلك كان متصفًا بضد القيام، وهاهنا لم يوجد المجعول فيه، فكيف يصبح استعمال الجعل فيه؟
والجواب: أن الليل جواهر قام بها السواد، وكذلك النهار جواهر قام بها البياض كذلك الشمس جرم قام به ضوء. والأجسام والجواهر متقدمة على الأعراض بالذات. والعرب تراعي هذا، ونقله الفراء عنهم في مواضع. فنقل:"أحسنت إليك، فكسوتك"وغيره. فجعلوا الإحسان متقدمًا على الكسوة بدليل العطف بالفاء، وليس ذلك إلا تقدم ذاتي، لأن الإحسان في الخارج هو نفس الكسوة.
قوله تبارك وتعالى: .... {كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} (17: 14) إنه منصوب على التمييز، إلا أن هاهنا سؤالاً، وهو أن"كفى"يتعدى إلى مفعولين، تقول: كفيت زيدًا، فما تقدير المفعولين هاهنا؟