قَوْله تَعَالَى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ}
«فَإِن قَالَ قَائِل» : كَيفَ يَأْمر الله تَعَالَى بِهَذِهِ الْأَشْيَاء، وَهُوَ يَقُول: {إِن الله لَا يَأْمر بالفحشاء} ؟ وَالْجَوَاب: أَن هَذَا أَمر تهديد ووعيد، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُم} وكالرجل يَقُول لغيره: افْعَل مَا شِئْت فسترى، وَمثل هَذَا يكثر.
قَوْله تَعَالَى: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) }
«فإنْ قيلَ» : النَّبِي كَانَ مَعْصُوما من الشّرك والكبائر، فَكيف يجوز أَن يقرب مِمَّا طلبوه مِنْهُ؛ وَالَّذِي طلبوه مِنْهُ كفر؟
الْجَواب من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أَنا نعتقد أَن الرَّسُول مَعْصُوم من الشّرك والكبائر، ونحمل على أَن مَا وجد مِنْهُ كَانَ هما من غير عزم، وَقد قَالَ النَّبِي:"إِن الله تَعَالَى وضع عَن أمتِي مَا حدثت بِهِ نَفسهَا مَا لم تَتَكَلَّم بِهِ أَو تعْمل"وَفِي الْجُمْلَة الله أعلم بِرَسُولِهِ من غَيره، وَقد قَالَ قَتَادَة: لما وَقع هَذَا كَانَ رَسُول الله يَقُول بعد ذَلِك:"اللَّهُمَّ، لَا تَكِلنِي إِلَى نَفسِي طرفَة عين".
وَالْجَوَاب الثَّانِي: وَهُوَ أَنه قَالَ: {وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاك لقد كدت تركن} وَقد ثبته وَلم يركن، وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: {وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته} إِلَى أَن قَالَ: {إِلَّا قَلِيلا} وَقد تفضل الله، ورحم، وَلم يتبعوا الشَّيْطَان.
قَوْله تَعَالَى: {إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ}
«فإنْ قيلَ» : لم يُضَاعف الْعَذَاب لَهُ؟
قُلْنَا: لعلو مرتبته كَمَا يُضَاعف الثَّوَاب لَهُ عِنْد الطَّاعَة، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: {يَا نسَاء النَّبِي من يَأْتِ مِنْكُن بِفَاحِشَة مبينَة يُضَاعف لَهَا الْعَذَاب ضعفين} . انتهى انتهى {تفسير السمعاني} ...