{وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} أي: وتالله لقد همت المرأة بالبطش به لعصيانه لأمرها، وهي في نظرها سيدته وهو عبدها، وقد أذلت نفسها له بدعوته الصريحة إلى نفسها، بعد الاحتيال عليه بمراودته عن نفسه... فخرجت بذلك عن طبع أنوثتها في التمنع. . مما جعلها تحاول البطش به بعد أن أذل كرامتها، وهو انتقام معهود من مثلها، وممن دونها في كل زمان ومكان.
وكاد يرد صيالها ويدفعه بمثله، وهو قوله تعالى {وَهَمَّ بِهَا لولا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} ولكنه رأى من برهان ربه في سريرة نفسه، ما هو مصداق قوله تعالى {والله غَالِبٌ على أَمْرِهِ} وهو إما النبوة... وإما معجزتها. . وإما مقدمتها من مقام الصديقية العليا، وهي مراقبته لله تعالى ورؤيته ربه متجليا له، ناظرا إليه.
وما ذهب إليه صاحب المنار من تفسير الهم منها بالبطش بيوسف، وتفسير الهم منه برد الاعتداء الذي وقع عليه منها...
أقول: ما ذهب إليه صاحب المنار من تفسير الهم بذلك، لا أرى دليلا عليه من الآية، لا عن طريق الإِشارة، ولا عن طريق العبارة...
ولعل صاحب المنار - رحمه الله - أراد بهذا التفسير أن يبعد يوسف - عليه السلام - عن أن يكون قدهم بها هم ميل بمقتضى الطبيعة البشرية، ونحن لا نرى مقتضيا لهذا الإِبعاد، لأن خطور المناهى في الأذهان، لا مؤاخذة عليها، ما دامت لم يصاحبها عزم أو قصد - كما سبق أن أشرنا إلى ذلك من قبل.
هذا وهناك أقوال أخرى لبعض المفسرين في معنى الآية الكريمة، رأينا أن نضرب عنها صفحا؛ لأنه لا دليل عليها لا من العقل ولا من النقل ولا من اللغة... وإنما هي من الأوهام الإِسرائيلية التي تتنافى كل التنافي مع أخلاق عباد الله المخلصين، الذين على رأسهم يوسف - عليه السلام.
(وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ(43)
قال بعض العلماء: والتعريف في"الملك"للعهد، أي ملك مصر، وسماه القرآن هنا ملكا ولم يسمه فرعون، لأن هذا الملك لم يكن من الفراعنة ملوك مصر القبط، وإنما كان ملكا لمصر أيام أن حكمها"الهكسوس"وهم العمالقة الذين ملكوا مصر من 1900 قبل الميلاد إلى سنة 1525 ق. م.