ففيها أوجه كلها قد ذكرها البصريون، فقالوا: جائز أن يكون اللَّه عزَّ وجلَّ أقسم بها لأن فيها كلها دليلًا عليه وآيات بينات، قال اللَّه - عزَّ وجلَّ -: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) إلخ الآية.
وقال: (وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ) .
فكان القسم بهذا يدل على عظمة اللَّه.
وقال قطرب جائز أن يكون معناها: ورب الشمس وضحاها، وربِّ التين
والزيتون، كما قال: (والسماء ذات البروج) .
وقال: (والأرض وما طحاها) .
وقال: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ) .
وقالوا أيضاً: جائز أن يكون وخَلْقِ السماوات والأرض، وخَلْقِ التين
والزيتون.
وقالوا: يجوز أن يكون لما كان معنى القسم معنى التحقيق، وأن هذه
الأشياء التي أقسم اللَّه بها حق كلها، وكذلك ما أقسم عليه حق فالمعنى كما
أن التين والزيتون حق، لقد خلقنا الِإنسان في أحسن تقويم.
وأجْود هذه الأقوال ما بدأنا به في أولها.
وقوله عزَّ وجلَّ: (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ(88)
(وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ) .
قالوا (مُزْجَاة) قليلة، وقالوا كانوا جاءُوا بمتاع الأعراب كالصوف والسمن.
وما أَشْبَهَ ذلك مما يبيعه الأعراب، وقيل إن البضاعة كانت مما لا يُتْفقُ مثلهُ في الطعام، لأن متاع الأعْراب كذلك كان تحته رديء المال.
وتأويله في اللغة، أن التزجية الشيء القليل الذي يُدَافَعُ به، تَقُول: فلان يُزَجِّي العَيْشَ أي يَدْفَع بالقليل ويكتفي به.
فالمعنى على هذا:. إنَا جئنا ببضاعة إنما يُدافع
بها أي: يتقوَّت، لَيْسَ مِما يُتَسَعُ بِه.
قال الشاعر: