وبعد هذا الاستطراد نعود إلى اللمحات الدالة على طبيعة الفترة التاريخية التي وقعت فيها أحداث القصة وتحركت فيها أشخاصها . فنجدها تتجاوز حدود الرقعة المصرية , وتسجل طابع العصر كله . فواضح تماما انطباع هذه الفترة الزمنية بالرؤى والتنبؤات التي لا تقتصر على أرض واحدة , ولا على قوم بأعيانهم . . ونحن نرى هذه الظاهرة واضحة في رؤيا يوسف وتعبيرها وتأويلها في النهاية . وفي رؤيا الفتيين صاحبي السجن . وفي رؤيا الملك في النهاية . . وكلها تتلقى بالاهتمام سواء ممن يرونها أو ممن يسمعونها مما يشي بطابع العصر كله !
وعلى وجه الإجمال فإن القصة غنية بالعناصر الفنية . غنية كذلك بالعنصر الإنساني , حافلة بالانفعال والحركة . وطريقة الأداء تبرز هذه العناصر إبرازا قويا . فضلا على خصائص التعبير القرآنية الموحية المؤثرة , ذات الإيقاع الموسيقي المناسب لكل جو من الأجواء التي يصورها السياق .
في القصة يتجلى عنصر الحب الأبوي في صور ودرجات منوعة واضحة الخطوط والظلال:في حب يعقوب ليوسف وأخيه وحبه لبقية أبنائه . وفي استجاباته الشعورية للأحداث حول يوسف من أول القصة إلى آخرها .
وعنصر الغيرة والتحاسد بين الإخوة من أمهات مختلفات , بحسب ما يرون من تنوع صور الحب الأبوي . وعنصر التفاوت في الاستجابات المختلفة للغيرة والحسد في نفوس الإخوة ; فبعضهم يقودهم هذا الشعور إلى إضمار جريمة القتل , وبعضهم يشير فقط بطرح يوسف في الجب تلتقطه بعض السيارة نفورا من الجريمة . .
وعنصر المكر والخداع في صور شتى . من مكر إخوة يوسف به , إلى مكر امرأة العزيز يوسف وبزوجها وبالنسوة .
وعنصر الشهوة ونزواتها والاستجابة لها بالاندفاع أو بالإحجام . وبالإعجاب والتمني , والاعتصام والتأبي .
وعنصر الندم في بعض ألوانه , والعفو في أوانه . والفرح بتجمع المتفارقين . .