فهو في السجن وظلماته - مع الظلم وظلماته ! - لا يغفل عن الدعوة لدينه , في كياسة وتلطف - مع الحزم والفصل - وفي إدراك لطبيعة البيئة ومداخل النفوس فيها . . كما أنه لا يغفل عن حسن تمثيله بشخصه وأدبه وسلوكه لدينه هذا الذي يدعو إليه في سجنه:
(ودخل معه السجن فتيان . قال أحدهما:إني أراني أعصر خمرا , وقال الآخر:إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه . نبئنا بتأويله , إنا نراك من المحسنين . قال:لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما , ذلكما مما علمني ربي , إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون . واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب , ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء , ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس , ولكن أكثر الناس لا يشكرون . يا صاحبي السجن , أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ? ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان , إن الحكم إلا لله ,) أمر ألا تعبدوا إلا إياه , ذلك الدين القيم , ولكن أكثر الناس لا يعلمون . يا صاحبي السجن , أما أحدكما فيسقي ربه خمرا , وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه , قضي الأمر الذي فيه تستفتيان) . .
وهو - مع هذا كله - بشر , فيه ضعف البشر . فهو يتطلب الخلاص من سجنه , بمحاولة إيصال خبره إلى الملك , لعله يكشف المؤامرة الظالمة التي جاءت به إلى السجن المظلم . وإن كان الله - سبحانه - شاء أن يعلمه أن يقطع الرجاء إلا منه وحده:
(وقال للذي ظن أنه ناج منهما:اذكرني عند ربك . فأنساه الشيطان ذكر ربه . فلبث في السجن بضع سنين ...) .