و (أن) من {أَنْ يُرْضُوهُ} في موضع نصب لعدم الجار وهو الباء، أو جر على إرادته، أي: بأن يرضوه، وقد مضى الكلام على نحو هذا عند قوله: {فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ} بأشبع ما يكون فأغنى عن الإِعادة هنا.
{أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (63) } :
قوله عز وجل: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ} فتحت (أن) الأولى لكونها معمول {أَلَمْ يَعْلَمُوا} وهي مع ما اتصل بها سدت مسد مفعوليه. ويحتمل أن يكون العلم هنا بمعنى العرفان، فيطلب مفعولًا واحدًا.
والضمير في {أَنَّهُ} ضمير الشأن والحديث، وما بعده مفسر له، و {مَنْ} شرطية في موضع رفع بالابتداء، وخبره فعل الشرط. {فَأَنَّ لَهُ} : الفاء جواب الشرط.
والجمهور على فتح (أن) الثانية، واختلف في فتحها:
فقيل: فتحت لأنها خبر مبتدأ محذوف، أي: فالأمر، أو فالشأن أن له نار جهنم.
وقيل: بالعكس، أي: فحق أن له نار جهنم.
وقيل: المعنى: فله، و (أن) تكرير لأن الأولى توكيدًا، كقوله عز وجل: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} الآية، ثم قال: {إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا ... } .
والفاء على هذه الأوجه جواب الشرط، وقيل: بدل من الأولى، وَرُدَّ هذا من وجهين:
أحدهما: أن الفاء التي معها تمنع ذلك، فالحكم بزيادتها ضعيف.
والثاني: أنّ جَعْلَها بدلًا يؤذن بالتمام ولاتمام؛ لأن (أن) من قوله: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ} لم يتم قبل الفاء، فكيف يُبدل منها قبل تمامها؟ وتمامها هو الشرط وجوابه؛ لأن الشرط وجوابه خبر (أنَّ) فلا تتم إلا بتمام خبرها.
وقد جوز أن تكون (أن) الثانية عطفًا على الأولى على أن جواب {مَنْ} محذوف تقديره: ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله يهلك فأنَّ له نار جهنم.
وقد أجاز صاحب الكتاب وشيخه الخليل رحمهما الله: كسر (أن) الواقعة بعد الفاء على الاستئناف، وبه قرأ بعض القراء.
والمحادّةُ: المخالفة والمعاداة، يقال: حادّ فلان فلانًا، إذا خالفه وعاداه، وهي مفاعلة من الحد، كأنه صار في حدٍّ غير حدِّ صاحبه.