وليس قول من قال: دخلت {إِلَّا} لأن في الإِباء معنى النفي من حيث هو منع، وأنشد:
259 -فَهَلْ لِيَ أُمٌّ غيرُها إنْ تركتُهَا ... أَبَى اللهُ إلَّا أن أَكونَ لَهَا ابْنَمَا
بمستقيم، إذ لو كان الأمر كما زعم لأجيز: كرهت أو أبغضت إلَّا زيدًا، فلما لم يجيزُوا هذا دل ذلك على سداد ما ذكر وفساد ما ذكر فاعرفه.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) } :
قوله عز وجل: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} محل {الَّذِينَ} الرفع بالابتداء، والخبر {فَبَشِّرْهُمْ} ، ودخلت الفاء لما في الموصول من الإِبهام، أو النصب بإضمار فعل يفسره الظاهر، أي: بشر الذين يكنزون.
اختلف في الضمير في قوله: {وَلَا يُنْفِقُونَهَا} :
فقيل: للكنوز، دلَّ عليها {يَكْنِزُونَ} .
وقيل: للأموال.
وقيل: للفضة؛ لأنها أقرب، والتقدير: والذين يكنزون الذهب ولا ينفقونه، والفضة ولا ينفقونها. فاستغني بذكر أحدهما عن الآخر إيجازًا واختصارًا.
وقيل: للذهب والفضة؛ لأنهما جنسان ولهما أنواع، فعاد الضمير إلى المعنى دون اللفظ كقوله: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} .
وقيل: للذهب لأنها أسبق، والذهب قد يؤنث. والبشارة في المكروه مجاز وتشبيه.
{يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35) } :
قوله عز وجل: {يَوْمَ يُحْمَى} (يوم) ظرف لفعل دل عليه قوله: {بِعَذَابٍ} ، أي: يعذبون عليها في ذلك اليوم.
ولا يجوز أن يكون ظرفًا لقوله: {فَبَشِّرْهُمْ} كما زعم بعضهم؛ لأن البشارة لا تكون في ذلك اليوم، ويضعف أن يكون ظرفًا لعذاب لكونه قد وصف.
وقيل: هو منصوب بفعل مضمر، أي: اذكر يوم.