وقوله: {وَهُمْ صَاغِرُونَ} الواو للحال، والصاغر: الذليل، والمعنى: إن الجزية تؤخذ منهم على الصَّغار والذلّ، قيل: وهو أن يأتي بها بنفسه ماشيًا غير راكب، ويسلمها وهو قائم والمتسلم جالس.
وقيل: يُجَرُّ إلى الموضع الذي يقبض منه فيه بالعنف، ويقال له: أدِّ الجزية.
{وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) } :
قوله عز وجل: {عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} قرئ: بالتنوين على أن عُزيرًا مبتدأ، و {ابْنُ} خبره، وإذا كان كذلك فلا بد من إثبات التنوين في حال السعة والاختيار إعلامًا بأن الأول مبتدأ، وأن ما بعده خبر عنه وليس بنعتٍ له.
وقرئ بحذف التنوين على أن ابنًا وصف له، و (عزيرُ) مبتدأ، وخبره محذوف، أي: عزيرُ ابن الله صاحبُنَا، أو معبودنا، أو بالعكس، أي: صاحبنا أو معبودنا عزيرُ ابن الله، أو خبر له، وحذف التنوين منه إمّا لالتقاء الساكنين، كقراءة من قرأ: (أَحَدُ الله) ، أو للتخفيف، كما تحذف حروف اللين لذلك نحو: لم يك زيدٌ قائمًا، {وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ} ، أو لكونه أعجميًا كعازرَ، وعَيزار، وعزرائيل، فامتناع صرفه للعجمة والتعريف.
وقيل: إن ابنًا بدل من {عُزَيْرٌ} ، أو عطف بيان له، و {عُزَيْرٌ} : مبتدأ، وخبره محذوف، أو بالعكس، وقد ذكرا.
وبعد .. فإن عزيرًا عربي عند قوم مشتق من قوله: {وَتُعَزِّرُوهُ} ، وعجمي عند آخرين، وانصرف على هذا لخفته، كنوح ولوط؛ لأنه تصغير عزر، والوجه هو الأول وعليه الأكثر.
وقوله: {ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ} (ذلك) رفع بالابتداء، وخبره {قَوْلُهُمْ} . و {بِأَفْوَاهِهِمْ} يحتمل أن يكون من صلة {قَوْلُهُمْ} ، وأن يكون في موضع الحال، وأن يكون من صلة {يُضَاهِئُونَ} ، وهي جمع فُوهٍ.
والمعنى: أن ذلك قول لا يعضده برهان ولا حجة، وإنَّما هو لفظ يفوهون به فارغ من معنى تحته.
وقوله: (يضاهُون) قرئ: بضم الهاء من غير همز، وبكسرها مع الهمز، وهما لغتان، يقال: ضاهيت بالياء وضاهأت بالهمز، إذا أَشبهت.