وقوله: {إِلَّا الَّذِينَ} محل {الَّذِينَ} يحتمل أن يكون جرًا على البدل من {الْمُشْرِكِينَ} ، لأن ما قبله في معنى النفي، وقد أوضحت، وأن يكون نصبًا على الاستثناء؛ لأن لفظه لفظ الإِيجاب، أي: ولكن الذين عاهدتم منهم عند المسجد الحرام ولم يظهر منهم نقض. قيل: وهم بنو كنانة وبنو ضمرة.
وقوله: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} (ما) تحتمل أن تكون شرطية في موضع رفع بالابتداء، وخبره فعل الشرط، أي: إن أقاموا على الوفاء بعهدكم فأقيموا لهم على مثله، وأن تكون زمانية في موضع نصب، أي: فاستقيموا لهم زمانَ أو مدةَ استقامتِهم لكم.
{كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8) } :
قوله عز وجل: {كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا} (كيف) تكرار لاستبعاد ثبات المشركين على العهد، وحُذُف المستفهمُ عنه لكونه معلومًا مع دلالة ما تقدم، أي: كيف يكون لهم عهد؟ أو كيف تركنون إليهم؟ أو كيف لا تقتلونهم وحالهم أنهم إن يظهَرُوا عليكم بعد أخذ المواثيق والعهود لم ينظروا في شيء من ذلك؟.
و {لَا يَرْقُبُوا} : جواب الشرط، و {لَا} : للنفي.
و {إِلًّا} منصوب بقوله: {لَا يَرْقُبُوا} ، أي: لا يراعوا عهدًا، عن مجاهد وغيره.
وقيل: قرابة، عن ابن عباس - رضي الله عنهما -. وأنشد لحسان بن ثابت - رضي الله عنه:
255 -لَعَمْرُكَ إنَّ إِلَّكَ من قُريشٍ ... كإلِّ السَّقْبِ من رَألِ النَّعَامِ
السَّقْبُ: الذكر من ولد الناقة، أي: ليس بينك وبينهم قرابة، كما أنه لا نسب بين ولد الناقة وولد النعامة.
وقيل: جوارًا، عن الحسن وغيره.
وقيل: حلفًا، عن قتادة.
وقيل: هو اسم من أسماء الله تعالى عن مجاهد أيضًا. وأنكر أبو إسحاق ذلك، وقال: هذا عندنا ليس بالوجه؛ لأن أسماء الله تعالى معروفة معلومة، كما جاء في القرآن، وتليت في الأخبار.
قلت: وحقيقة الإِل على مقتضى اللغة: الظهور، مأخوذ من الألِّ وهو البريق، يقال: ألَّ لونه يؤل إلًّا، إذا صفا وبرق، فسمي ذلك كله إلًّا لظهوره.