وما ذكره من أن جعل بمعنى صير في قوله: {وجعلوا الملائكة} لا يصح لأنهم لم يصيروهم إناثاً ، وإنما قال بعض النحويين: إنها بمعنى سمى وقول الطبري {جعل} هنا هي التي تتصرف في طرف الكلام كما تقول: جعلت أفعل كذا فكأنه قال: وجعل إظلامها وإنارتها تخليط ، لأن تلك من أفعال المقاربة تدخل على المبتدأ والخبر وهذه التي في الآية تعدت إلى مفعول واحد ، فهما متباينان معنى واستعمالاً وناسب عطف الصلة الثانية بمتعلقها من جمع الظلمات وإفراد النور على الصلة الأولى المتعلقة بجمع السماوات وإفراد الأرض ، وتقدّم في البقرة الكلام على جمع السماوات وإفراد الأرض وجمع الظلمات وإفراد النور واختلف في المراد هنا ب {الظلمات والنور} فقال قتادة والسدّي والجمهور: الليل والنهار.
وقال ابن عباس: الشرك والنفاق والكفر والنور الإسلام والإيمان والنبوّة واليقين.
وقال الحسن: الكفر والإيمان ، وهو تلخيص قول ابن عباس واستدل لهذا بآية البقرة.
وقال قتادة أيضاً: الجنة والنار خلق الجنة وأرواح المؤمنين من نور ، والنار وأرواح الكافرين من ظلمة ، فيوم القيامة يحكم لأرواح المؤمنين بالجنة لأنهم من النور خلقوا ، وللكافرين بالنار لأنهم من الظلمة خلقوا.
وقيل: الأجساد والأرواح.
وقيل: شهوات النفوس وأسرار القلوب.
وقيل: الجهل والعلم.
وقال مجاهد: المراد حقيقة الظلمة والنور ، لأن الزنادقة كانت تقول: الله يخلق الضوء وكل شيء حسن ، وإبليس يخلق الظلمة وكل شيء قبيح فأنزلت رداً عليهم.
وقال أبو عبد الله الرازي: فيه قولان أحدهما: أنهما الأمران المحسوسان وهذا هو الحقيقة.
والثاني ما نقل عن ابن عباس والحسن قبل وهو مجاز.
وقال الواحدي: يحمل على الحقيقة والمجاز معاً لا يمكن حمله عليهما انتهى ملخصاً.