فصل
قال الفخر:
إنما قدم ذكر الظلمات على ذكر النور لأجل أن الظلمة عبارة عن عدم النور عن الجسم الذي من شأنه قبول النور، وليست عبارة عن كيفية وجودية مضادة للنور، والدليل عليه أنه إذا جلس إنسان بقرب السراج، وجلس إنسان آخر بالبعد منه، فإن البعيد يرى القريب ويرى ذلك الهواء صافياً مضيئاً، وأما القريب فإنه لا يرى البعيد ويرى ذلك الهواء مظلماً، فلو كانت الظلمة كيفية وجودية لكانت حاصلة بالنسبة إلى هذين الشخصين المذكورين، وحيث لم يكن الأمر كذلك علمنا أن الظلمة ليست كيفية وجودية.
وإذ ثبت هذا فنقول: عدم المحدثات متقدم على وجودها، فالظلمة متقدمة في التقدير والتحقق على النور، فوجب تقديمها في اللفظ، ومما يقوي ذلك ما يروى في الأخبار الإلهية أنه تعالى خلق الخلق في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 12 صـ 125}
وقال ابن عاشور:
وقدّم ذكرالظلمات مراعاة للترتّب في الوجود لأنّ الظلمة سابقة النور، فإنّ النور حصل بعد خلق الذوات المضيئة، وكانت الظلمة عامّة. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 6 صـ}
سؤال: لقائل أن يقول: لم ذكر الظلمات بصيغة الجمع، والنور بصيغة الواحد؟
فنقول: أما من حمل الظلمات على الكفر والنور على الإيمان، فكلامه ههنا ظاهر، لأن الحق واحد والباطل كثير،
وأما من حملها على الكيفية المحسوسة،
فالجواب: أن النور عبارة عن تلك الكيفية الكاملة القوية، ثم إنها تقبل التناقص قليلاً قليلاً، وتلك المراتب كثيرة.
فلهذا السبب عبّر عن الظلمات بصيغة الجمع. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 12 صـ 125}
وقال ابن عاشور:
وإنّما جُمع {الظلمات} وأفرد {النور} اتّباعاً للاستعمال، لأنّ لفظ (الظلمات) بالجمع أخفّ، ولفظ (النور) بالإفراد أخفّ، ولذلك لم يرد لفظ (الظلمات) في القرآن إلاّ جمعاً ولم يرد لفظ (النور) إلاّ مفرداً.