واعلم: أن البدل من ضمير الحاضر، سواءٌ كان متكلِّماً أم مخاطباً، لا يجوز عند جمهور البصريِّين في بدلِ الكلِّ من الكُلِّ، لو قلت:"قُمْتُ زَيْدٌ"تعْني نَفْسَكَ، و"ضَرَبْتُكَ عَمْراً"، لم يَجُزْ، قالوا: لأنَّ البدل إنما يؤتى به للبيانِ غالباً، والحاضِرُ متميِّزٌ بنفسه؛ فلا فائدةَ في البدلِ منه، وهذا يَقْرُبُ من تعليلهم في مَنْعِ وصفه، وأجازَ الأخفشُ ذلك مُطْلَقاً مستدِلاًّ بظاهر هذه الآية الكريمة؛ لقول القائل: [الوافر]
2094 - أنَا سَيْفُ العَشِيرَةِ فَاعْرِفُونِي ...
حُمَيْداً قَدْ تَذَرَّيْتُ السَّنَامَا
ف"حُمَيْداً"بدل من ياء"اعْرِفُوني"، وقولِ الآخر: [الطويل]
2095 - وَشَوْهَاءَ تَغْدُو بي إلى صَارِخ الوَغَى ...
بِمُسْتَلْئِمٍ مِثْلِ الفَنِيقِ المُدَجَّلِ
وقول الآخر: [البسيط]
2096 - بِكُمْ قُرَيْشٍ كُفِينَا كُلَّ مُعْضِلَةٍ ...
وأمَّ نَهْجَ الهُدَى مَنْ كَانَ ضِلِّيلا
وفي الحديث:"أتَيْنَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَفَرٌ مِنَ الأشْعَرِيين"والبصريون يُؤوِّلونَ جميعَ ذلك، أمَّا الآية الكريمة فعلى ما تقدَّم في الوجه الأول، وأمَّا"حُمَيْداً"، فمنصوبٌ على الاختصاص، وأمَّا"بِمُسْتَلئم"، فمن باب التجريدِ، وهو شيء ٌ يعرفه أهلُ البيانِ، يعني أنه جَرَّد من نفسه ذاتاً متصفةً بكذا، وأمَّا"قُرَيْشٍ"فالروايةُ بالرفع على أنه منادى نُوِّنَ ضرورةً؛ كقوله: [الوافر]
2097 - سَلاَمُ اللَّهِ يَا مَطَرٌ عَلَيْهَ ...
وَلَيْسَ عَلَيْكَ يَا مَطَرُ السَّلامُ
وأمَّا"نفرٌ"، فخبر مبتدأ مضمرٍ، أي: نَحْنُ، ومنع ذلك بعضهم، إلا أنْ يُفيدَ البدلُ توكيداً، وإحاطة شمولٍ، واستدلَّ بهذه الآيةِ، وبقول الآخر: [الطويل]
2098 - فَمَا بَرِحَتْ أقْدَامُنَا فِي مُقَامِنَا ...
ثَلاَثَتِنَا حَتَّى أزيرُوا المَنَائِيَا
بجر"ثَلاَثِينَا"بدلاً من"نَا"، ولا حُجَّة فيه؛ لأنَّ"ثَلاَثَتِنَا"توكيدٌ جارٍ مَجْرى"كُلّ".
قال القُرْطُبِي: وقرأ زَيْدُ بن ثابتٍ:"لأولَيْنَا وأُخْرَيْنَا"على الجَمْعِ قال ابنُ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما: يَأكُلُ منهما آخرُ النَّاس كما يَأكُل أوَّلهُم.
قوله:"وآيةً": عطف على"عيداً"، و"منك". انتهى انتهى. {تفسير ابن عادل حـ 7 صـ 609 - 612}