وأما قوله:"بعضهم أولياء بعض"، فإنه عنى بذلك: أن بعض اليهود أنصار بعضهم على المؤمنين ، ويد واحدة على جميعهم وأن النصارى كذلك ، بعضهم أنصار بعض على من خالف دينهم وملتهم معرِّفًا بذلك عباده المؤمنين: أنّ من كان لهم أو لبعضهم وليًّا ، فإنما هو وليهُّم على من خالف ملتهم ودينهم من المؤمنين ، كما اليهود والنصارى لهم حَرْب. فقال تعالى ذكره للمؤمنين: فكونوا أنتم أيضًا بعضكم أولياء بعض ، ولليهوديّ والنصراني حربًا كما هم لكم حرب ، وبعضهم لبعض أولياء ، لأن من والاهم فقد أظهر لأهل الإيمان الحربَ ، ومنهم البراءة ، وأبان قطع وَلايتهم.
القول في تأويل قوله عز ذكره: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"ومن يتولهم منكم فإنه منهم"، ومن يتولَّ اليهود والنصارى دون المؤمنين ، فإنه منهم. يقول: فإن من تولاهم ونصرَهم على المؤمنين ، فهو من أهل دينهم وملتهم ، فإنه لا يتولى متولً أحدًا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راضٍ. وإذا رضيه ورضي دينَه ، فقد عادى ما خالفه وسَخِطه ، وصار حكُمه حُكمَه ، ولذلك حَكَم مَنْ حكم من أهل العلم لنصارى بني تغلب في ذبائحهم ونكاح نسائهم وغير ذلك من أمورهم ، بأحكام نصَارَى بني إسرائيل ، لموالاتهم إياهم ، ورضاهم بملتهم ، ونصرتهم لهم عليها ، وإن كانت أنسابهم لأنسابهم مخالفة ، وأصل دينهم لأصل دينهم مفارقًا.