فقوله: {أَنْ يَفْتِنُوكَ} بدل اشتمال من المفعول؛ أي: واحذرهم فتنتهم، أو مضاف إليه لمفعول من أجله محذوف؛ أي: احذرهم مخافة أنْ يفتنوك؛ أي: يصرفوك عن الحق، ويلقوك في الباطل كما سيأتي في بحث الإعراب {فَإِنْ تَوَلَّوْا} ؛ أي: فإن أعرضوا عن حكمك بما أنزل الله بعد تحاكمهم إليك وأرادوا غيره {فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ} ؛ أي: فاعلم يا محمد ما سبب ذاك إلا لأن الله يريد {أَنْ يُصِيبَهُمْ} ويعذبهم في الحياة الدنما قبل الآخرة {بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} وهو ذنب التولي والإعراض عما جئت به؛ لأنَّ استثقالهم لأحكام التوراة وتحاكمهم إليك لعلك تتبع أهوائهم، ومحاولتهم لفتنتك عن بعض ما أنزل الله إليك، كل هذه أمارات على فساد الأخلاق وانحلال روابط الاجتماع، ولا بد أن تكون نتيجتها وقوع العذاب بهم، وقد حل بيهود المدينة وما حولها بغدرهم ما حل، فقد أجلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بني النضير عنها وقتل بني قريظة.
وإنَّما خص بعض الذنوب؛ لأن الله جازاهم في الدنيا على بعض ذنوبهم بالقتل والسبي والجلاء، وأخر مجازاتهم على باقي ذنوبهم إلى الآخرة {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ} يعني: اليهود وغيرهم، لأنَّهم ردوا حكم الله تعالى {لَفَاسِقُونَ} ؛ أي: خارجون عن دائرة الطاعات، ومعادن السعادات، يعني: متمردون في الكفر، مصرون عليه، خارجون من الحدود والشرائع التي اختارها الله تعالى لعباده. وفي هذا تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - على عدم إذعانهم لما جاء به من الهدى والدين، وإعراضهم عن ذلك النور الذي أنزل إليه،