الكتب وخاتمها، وأشملها وأعظمها، وأكملها حيث جمع فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره، فلهذا جعله شاهدًا وأمينًا وحاكمًا عليها كلها، وتكفل الله تعالى بحفظه بنفسه فقال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) } لأن هذا القرآن هو الذي لا ينسخ، ولا يتطرق إليه التبديل والتحريف، وإذا كان كذلك .. كانت شهادة القرآن على سائر الكتب بالصدق باقية.
وقرأ ابن محيصن ومجاهد: {وَمُهَيْمِنًا} بفتح الميم الثانية على صيغة اسم المفعول؛ أي: مؤتمنًا ومحفوظًا عليه، فإنه يصان من التحريف والتبديل، والحافظ هو الله تعالى، ففي قراءة اسم الفاعل الضمير في عليه، عائد على الكتاب الثاني وفي قراءة اسم المفعول، عائد على الكتاب الأول، وفي كلا الحالين هو حال من الكتاب الأول لأنه معطوف على مصدقًا، والمعطوف على الحال حال.
{فَاحْكُمْ} يا محمَّد {بَيْنَهُمْ} ؛ أي: بين جميع أهل الكتاب إذا ترافعوا إليك {بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} سبحانه وتعالى؛ أي: بالقرآن والرجم الذي أنزل الله تعالى إليك لاشتماله على جميع ما شرعه الله لعباده في جميع الكتب السابقة عليه {وَلَا تَتَّبِعْ} يا محمد {أَهْوَاءَهُمْ} ؛ أي: أهواء أهل الكتاب وشهواتهم التي هي الجلد والتحميم في الزاني المحصن، التي طلبوها منك حالة كونك معرضًا ومنحرفًا {عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} الذي هو الرجم في المحصن، وفيه النهي له - صلى الله عليه وسلم - أن يتبع أهوية أهل الكتاب ويعدل عن الحق الذي أنزله الله عليه، فإن أهل كل ملة من أهل الملل يهوون أن يكون الأمر على ما هم عليه وما أدركوا عليه سلفهم، وإن كان باطلًا منسوخًا أو محرفًا عن الحكم الذي أنزله الله على الأنبياء، كما وقع في الرجم ونحوه مما حرفوه من كتب الله تعالى.