فما كان بأسرع من انفضاض عسكر بني إسرائيل عن داود ، بسبب كلمة ذلك الفضولي ، ولما توصل الوزير"يؤاب"إلى قتل ذلك المشغب ، عادت العساكر جميعها إلى طاعة داود.
فما كان القوم إلا مثل رعاع همج العوام ، الذين يجمعهم دبدبة وتفرقهم
صيحة.
وأما عبادتهم الكبشين ، وتركهم الحج إلى القدس ، ثم إصرارهم على مخالفة
الأنبياءِ ، إلى انقضاء دولتهم ، فمما لا يصدر عن متمسك بأهداب العقل!!
وسبيلهم أن لا يتطرقوا لمعائب أحد من الأمم ، إذ كانت هذه مخازيهم
وفضائحهم!
فأما تسرعهم إلى قبول الباطل والمستحيل ، فإنا نذكر منه طرفًا ينبئ عن قلة
عقولهم ، وهو ما جرى في زماننا ، من أذكاهم وأكيسهم وأمكرهم ، وهم يهود بغداد.
فإن محتالاً من شبان اليهود نشأ بسواد الموصل ، يقال له:"مناحيم بن"
سليمان.
ويعرف"بابن الروجى"، وكان ذا جمالٍ في صورته ، وقد تفقه في دينهم ،
بالإضافة إلى الخمر من اليهود الساكنين بالناحية المعروفة بالعمادية من بلد الموصل.
وكان المتولي للقلعة هناك ذا ميل إلى ذلك المحتال وحب له ، لحسن اعتقاد فيه ، ولما توهم فيه من ديانة تظاهر بها ، بحيث كان الوالى يسعى إلى زيارته ، فطمع ذلك المحتال في جانب الوالى ، واستضعف عقله ، فتوهم أنه يتمكن من الوثوب على القلعة وأخذها ، وأنها تضحى له معقلاً حصينًا ، فكتب إلى اليهود المستقرين بنواحى بلاد أذربيجان ، وما والاها ، لأنه علم أن يهود الأعاجم أقوى جهالة من سائر اليهود . وذكر في كتبه أنه قائم قد غار لليهود من يد المسلمين ، وخاطبهم بأنواع من المكر والخديعة. فمن بعض فصول كتبه التي رأيتها تحوى ما هذا معناه.
"ولعلكم تقولون هذا لأيِّ شيء قد استفزَّنا لحرب أم لقتال ؟ ، لسنا"
نريدكم لحرب ولا لقتال ، بل لتكونوا واقفين بين يدي هذا القائم ، ليراكم هناك من يغشاه من رسل الملوك الذين ببابه"."
وفى أواخر الكتب:"ينبغى أن يكون مع كل واحدٍ منكم سيف أو غيره من"