وفى الإشارة إلى هذه الأماكن الثلاثة التي كانت مقام نبوة هؤلاء الأنبياء ، ما
يقتضى للعقلاء أن يبحثوا عن تأويله المؤدى إلى الأمر باتباع مقالتهم.
فأما الدليل الواضحُ من التوراة على أن جبل فاران هو جبل مكة ، فهو
أن إسماعيل لما فارق أباه الخليل ، عليهما السلام سكن إسماعيل في برِّية فاران ، ونطقت التوراة بذلك في قوله:"وتقاح لو اموا شيامئا يرض مِصْرايم".
تفسير:"وأقام في برية فاران ، وأنكحته أمه أمراةً من أرض مصر".
فقد ثبت من التوراة أن جبل فاران مسكنٌ لآل إسماعيل ، وإذا كانت التوراة قد أشارت في الآية التي تقدم ذكرها إلى نبوة تنزل على جبل فاران.
لزم أن تلك النبوة على آل إسماعيل ؛ لأنهم سكان فاران ، وقد علم الناسُ قاطبة أن الشار إليه بالنبوة من ولد إسماعيل هو محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وأنه بعث من مكة التي كان فيها مقام إسماعيل .
فدل ذلك على جبال فاران هي جبال مكة ، وأن التوراة أشارت في هذا الموضع إلى نبوة الصطفى ، صلوات الله وسلامه عليه ، وبشرت به ، إلا أن اليهود ، لجهلهم وضلالهم ، لا يحسنون الجمع بين هاتين الآيتين ، بل يسلمون
المقدمتين ويجحدون النتيجة ، لفرط جهلهم.
وقد شهدت عليهم التوراة بالإفلاس من الفطنة والرأي ، ذلك قوله تعالى:
"كى غووى أو باد عيصوت هيما واين باهيم تبونا".
تفسيره:"إنهم لشعب عادم الرأي ، وليس فيهم فطانة".
في إبطال ما يدعونه من محبة الله إياهم.
هم يزعمون أن الله ، سبحانه وتعالى ، يحبهم دون جميع الناس ، ويحب طائفتهم وسلالتهم ، وأن الأنبياء والصالحين لا يختارهم الله إلا منهم ، ونحن نناظرهم على ذلك. فنقول ما قولكم في أيوب النبي ، عليه السلام ، أتقرون بنبوته ؟
فيقولون: نعم.
فنقول لهم: هل هو من بني إسرائيل ؟
فيقولون: لا .