ومنها الجمع بين النبي - صلى الله عليه وسلّم - وبين الجن، وقد كان نبينا صلوات الله عليه مبعوثاً إلى الجن والاْنس، فيمكن من مشاهدتهم ومناطقتهم، وبلغهم الرسالة شفاهاً وعياناً.
فقد حل هذا في باب العلم، من حيث إنهم عالم كثير محجوبون عن الأبصار، وفي خلقهم ما يزيد الناظر والواقف عليه بصيرة ويقيناً بالله - عز وجل - ثناؤه، وانبساط قدرته.
فإذا ميزت له رؤيتهم ومعرفتهم ازداد علماً بالله جل ثناؤه، لما يشاهده من اياته فيهم، ويراه من آثار قدرته الظاهرة عليهم.
ويدخل في باب التأييد من وجه أنه يمكن لقائهم ومكالمتهم وقراءة القرآن عليهم لا تكون إلا مع حجة دعوته وثبوت نبوته.
ومنها أن يحتاج إلى جواب مخالفته إلى العلم بشيء غائب عنه، فيمثل له حتى يراه، فيجربه ويدفع بذلك الخصم عن نفسه، كما أنه لما حدث الناس بأنه أسرى به إلى بيت المقدس، وصل فيه ورجع من ليلته أحضروا له من كان رأى بيت المقدس وعرفه فاستعد له، فكان يصفه له وتبعته إلى أن كاد يخفى به بعض النعت، فمثل له المسجد حتى نظر إليه فوصفه.
ومنها أن يقصد أمراً متفق عله عند ذلك حال من جنس ما هو كائن، فيعلم به عاقبة ذلك الأمر وحاله، كما أنه لما خرج من المدينة يوم أحد، تعلقت قبضة سيف رجل بشيء من رجل غيره، فانسل من غمده، فنظر إليه النبي - صلى الله عليه وسلّم - فقال: «هذا يوم ينتفى فيه السيف» .
فكان كما قال: وموضع الخصوص في هذا أن ما رأى جعل طريقاً له إلى العلم، حتى قطع لأجله الحكم.
وأما غيره فإن ذلك أن وقع له لم نعده أكثر من ظن لا يغني من الحق شيئاً.
ومنها أن يشاهد من دابته حالاً بغير معهود له منها فيستدل بذلك على الأمر الذي قصد تغيير شحها حتى كان منها ما كان، كما روي عن غزوة الحديبية: أن ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - بركت، فقال الناس: حلاب ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - ، فقال: ما حلاب، وما ذلك لها بخلق، ولكل حبسها حابس الفيل عن مكة، فاعلم بترو كما من غير أن كان الحران خلقاً لها أو سمع رأيه، ففزعت منه، أو كلال أصابها فأوهى قواها، إن ذلك صد من الله تعالى عن مكة أن يدخلها قهراً لئلا يصيب المسلمين من أهلها بالسوء من لا تحره إصابته له، ثم أنزل قوله عز وجل: {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ} ، وتفسيره ذلك موجود في موضعه والله أعلم.