غير أن الإسلام الذي يعطي للمظلوم الحق في دفع الظلم عنه، ويأذن له بالعمل على رفعه، لا يقف حجر عثرة في سبيل تشهير المظلوم بالظالم، لإقامة الحجة عليه، وتحذير الناس منه، حتى لا يكونوا من ضحاياه، وذلك ما ينبغي أن نفهم من قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} أي أن المظلوم لا يحرمه الإسلام من التمتع بحق التنفيس عن كربه، وبالتحدث عن مظلمته، حديثا قد يسيء إلى الظالم في سمعته ومكانته، ما دام ذلك في حدود الواقع، ودون مبالغة فيه ولا زيادة عليه.
وقوله تعالى في التعقيب على هذا السياق {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا} إشارة إلا أن الحق سبحانه وتعالى لا يخفى عليه من أقوال القائلين شيء، بل يسمع أقوالهم كيفما كانت، لا فرق بين من قال سوءا أو قال خيرا، كما أنه سبحانه مطلع على نياتهم ومقاصدهم، يعلم منهم المظلوم من الظالم، والصادق من الكاذب، والمفسد من المصلح.
ثم أخد كتاب الله ينبه المؤمنين إلى ما ينبغي أن يشغلوا به ألسنتهم من قول الخير، بدلا من قول السوء، ويحضهم على إبراز
خصال الخير وإشهار فضائله والتنويه بمظاهره، وعلى ضرب المثل للناس بالعفو عن السوء كلما بدرت بادرته من مسيء، ومضى كتاب الله في توكيد هذا المعنى وإغراء المؤمنين به، لافتا نظرهم إلى أن من صفات الكمال التي اتصف بها الحق سبحانه وتعالى صفة (العفو) مع كامل القدرة، وإذن فمن أدب المؤمن، بل من الواجب عليه أن يتحلى في هذا المجال بخلق ربه، فيعفوا عمن أساء إليه، حتى ولو كان قادرا عليه، وهذا ما نستوحيه من قوله تعالى: {إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} .
ومما تجب ملاحظته في هذه الآية أنها ابتدأت في الذكر بإبداء الخير وإبرازه، فقالت {إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا} لأن في إبداء الخير وإظهاره وإشهاره بين الناس تشجيعا عليه، ودفعا إليه، وضربا للمثل الصالح والقدوة الحسنة.