قال: ونظير ذلك في كتاب الله: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [سورة الأنعام: 129] .
قلت: وفي معناه ما رواه الطبراني في"الأوسط"عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ اللهَ تَعالَى يَقُولُ: أَنْتَقِمُ مِمَّنْ أُبْغِضُ بِمَنْ أُبْغِضُ، ثُمَّ أُصَيِّرُ كُلاًّ إِلَى النَّارِ".
وروى الطبراني في"الأوسط"أيضا عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"يا عَلِيُّ! مَعَكَ يَومَ القِيامَةِ عَصاً مِنْ عِصِيِّ الْجَنَّةِ تَذُودُ بِها الْمُنافِقِينَ عَنْ حَوْضِي".
قلت: لعل النكتة في ذلك أن المنافقين لا يكادون يؤمنون بالحوض ولا بالبعث كما قال الحسن في كلامه المتقدم، وإن المنافق لو كانت النار خلف هذا الحائط لم يصدق بها حتى يقتحم عليها.
ومن الشواهد لحديث أبي سعيد ما رواه الطبراني في"الأوسط"عن أبي هريرة، وجابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم قالا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"عَلِيُّ بْنُ أَبِي طالِبٍ صاحِبُ حَوْضِيَ يَومَ القِيامَةِ".
وروى أبو نعيم عن أبي قلابة رحمه الله تعالى قال: ينادي منادٍ يوم القيامة من قبل العرش: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [سورة يونس: 62] ، قال: فلا يبقى أحد إلا رفع رأسه.
فيقول: {الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [سورة يونس: 63] ، فلا يبقى منافق إلا نكس رأسه].
قلت: وهذا خزي عظيم للمنافق، وذَوده عن الحوض خزي آخر، بل المنافق يخزى من حين موته على النفاق، أو تخرج روحه قبيحة الهيئة، منتنة الرائحة، ثم تجري الفتنة عليه في القبر، فلا يثبته الله تعالى بالقول الثابت، بخلاف المؤمن، بل ما بعد القبر أشد عليه من القبر وما قبله.
روى الحارث بن أبي أسامة، وأبو نعيم عن جابر - رضي الله عنه: أنهم غزوا غزوة بين مكة والمدينة، فهاجت ريح شديدة دفنت الرجال، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"هَذا لِمَوْتِ مُنافِقٍ".
قال: فقدمنا المدينة، فرأينا منافقاً عظيم النفاق مات يومئذ.