ومن [هاهنا] دخل عليهم البلاءُ، فإنهم أرادوا العزتين من الطائفتين، ولم يكن لهم غرض فِي الإيمان والإسلام ولا طاعة الله ورسوله، بل كان ميلهم وضعوهم وجهتهم إلى الكفار، فقوبلوا على ذلك بأعظم الذل وهو أن جعل مستقرهم فِي أسفل السافلين تحت الكفار، فما اتصف به المنافقون من مخادعة الله ورسوله والذين آمنوا، والاستهزاءِ بأهل الإيمان والكذب والتلاعب بالدين وإظهار أنهم [من المؤمنين وأبطنوا قلوبهم فتغلظ كفرهم به، فاستحقوا الدرك الأسفل] من النار ولهذا لما ذكر تعالى أقسام الخلق فِي أول سورة [البقرة: 2 - 20] فقسمهم إلى مؤمن ظاهراً وباطناً، وكافر ظاهراً وباطناً، ومؤمن فِي الظاهر كافر فِي الباطن وهم المنافقون، وذكر فِي حق المؤمنين ثلاث آيات 3 - 5، وفى حق الكفار آيتين 6 - 7.
فلما انتهى إلى ذكر المنافقين ذكر فيهم بضع عشرة آية 8 - 20 ذمهم فيها غاية الذم وكشف عوراتهم وقبحهم وفضحهم، وأخبر أنهم هم السفهاءُ المفسدون فِي الأرض المخادعون المستهزئون المغبونون فِي اشترائهم الضلالة بالهدى، وأنهم صم بكم عمى فهم لا يرجعون، وأنهم مرضى القلوب وأن الله يزيدهم مرضاً إلى مرضهم، فلم يدع ذماً ولا عيباً إلا ذمهم به، وهذا يدل على شدة مقته سبحانه لهم، وبغضه إياهم، وعداوته لهم، وأنهم أبغض أعدائه إليه. فظهرت حكمته الباهرة فِي تخصص هذه الطبقة بالدرك الأسفل من النار.