الثاني: قال بعضهم: هم اليهود ، آمنوا بالتوراة وبموسى ثم كفروا حين عبدوا العجل ، ثم آمنوا بعد عوده إليهم ثم كفروا بعيسى والإنجيل ، ثم ازدادوا كفراً بمحمد صَلّى اللهُ عليّه وسلّم ، وقد أورد على هذا الوجه أن الذين ازدادوا كفراً بمحمد صَلّى اللهُ عليّه وسلّم ليسوا مؤمنين بموسى ، ثم كافرين بالعجل ، ثم مؤمنين بالعود ، ثم كافرين بعيسى ، بل هم إما مؤمنون بموسى وغيره ، أو كفار لكفرهم بعيسى والإنجيل ، والجواب: أن هذا إنما يرد لو أريد قوم بأعيانهم للموجودين وقت البعثة ، أما لو أريد جنس ونوع ، باعتبار عدّ ما صدر من بعضهم كأنه صدر من كلهم ، فلا إيراد ، والمقصود حينئذ استبعاد إيمانهم لما استقر منهم ومن أسلافهم .
الثالث: قال آخرون: المراد المنافقون ، فالإيمان الأول إظهارهم الإسلام ، وكفرهم بعد ذلك هو نفاقهم ، وكون باطنهم على خلاف ظاهرهم ، والإيمان الثاني هو أنهم كلما لقوا جمعاً من المسلمين قالوا إنا مؤمنون ، والكفر الثاني هو أنهم: {إِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنّا مَعَكْمْ إِنّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ} [البقرة 14] ، وازديادهم في الكفر هو جدهم واجتهادهم في استخراج أنواع المكر والكيد في حق المسلمين ، وإظهار الإيمان قد يسمى إيماناً ، قال تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ المشْرِكَاتِ حَتّى يُؤْمِنّ} [البقرة: 221] .
قال القفال رحمه الله: وليس المراد بيان هذا العدد ، بل المراد ترددهم ، كما قال: {مّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء} قال: والذي يدل عليه ، قوله تعالى بعد هذه الآية: {بَشّرِ المنَافِقِينَ} .